نبيه بري... رجل الدولة ونقطة الارتكاز في المعادلة اللبنانية

كتب د. أسامة توفيق مشيمش:

في ظل تعقيدات المشهد اللبناني، وتعدد السلطات وتنازع الصلاحيات، يبقى رئيس مجلس النواب اللبناني، دولة الرئيس نبيه بري، علامة فارقة في التاريخ السياسي اللبناني الحديث. فالرجل الذي ترأس السلطة التشريعية لعقود لم يكن مجرد رئيس مجلس نيابي عادي، بل كان ـ ولا يزال ـ أحد أعمدة التوازن الوطني، ونقطة الارتكاز التي دارت حولها عجلة السياسة اللبنانية في أشد لحظاتها اضطرابًا.

فهم السلطة التشريعية في لبنان يجب أن يتجاوز النظرة الضيقة التي تختزلها برئيس المجلس. فالمجلس النيابي هو نتاج إرادة شعبية، يُنتخب أعضاؤه من مختلف الطوائف والمناطق، ويشكّل لجانًا متخصصة تراقب عمل الحكومة وتتابع تنفيذ البيان الوزاري. وهذا ما يجعل من المسؤولية التشريعية مسؤولية جماعية، لا فردية، يتحملها المجلس مجتمعًا، لا الرئيس وحده. ومع ذلك، فإن قدرة الرئيس بري على إدارة هذا الجسم السياسي المعقّد، والتوازن بين مكوناته المتناقضة، أظهرت حنكة سياسية قلّ نظيرها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف استطاع نبيه بري أن يصنع هذا الدور المحوري في الدولة اللبنانية؟ للإجابة، لا بد من العودة إلى بدايات سطوع نجم هذا القائد، يوم وقف في وجه اتفاقية 17 أيار، رافضًا الخضوع للإملاءات الإسرائيلية والأميركية آنذاك، ومدشنًا لمسيرة مقاومة سياسية متوازية مع العمل المقاوم المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي. لقد أسقط الاتفاق، لا بالسلاح، بل بالكلمة والموقف والتحالفات الذكية، واضعًا بذلك أولى لبنات مسيرته كـ”مغير وجه التاريخ” كما وصفه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك عند استقباله له في قصر الإليزيه.

لم يكن هذا الدور وليد لحظة، بل هو تراكم لمسيرة طويلة من الكفاح السياسي والاجتماعي والوطني. الرئيس بري لم يكن سياسيًا بالمعنى التقليدي، بل كان مفكرًا استراتيجيًا، قرأ خريطة لبنان والمنطقة بدقة، وأدرك مكامن الخلل ومواقع القوة. وهذا ما جعله يقدّم الطائفة الشيعية، لا ككتلة هامشية، بل كركن أساسي في بنية الدولة اللبنانية، له موقعه في اتخاذ القرار وصنعه.

لقد لعب نبيه بري دورًا جوهريًا في تكريس حضور الطائفة الشيعية في المعادلة السياسية اللبنانية، لا من باب الطائفية أو الفئوية، بل من موقع الشراكة الوطنية الكاملة. فهو لم يرفع الصوت دفاعًا عن طائفته فقط، بل كان دائمًا مدافعًا عن وحدة لبنان واستقراره وتوازناته الدقيقة. وقد تمكّن، بما يملكه من شبكة علاقات داخلية وخارجية، ومن قدرة نادرة على المناورة السياسية، من أن يوفّر للطائفة غطاء سياسيًا موازيًا لقوة السلاح التي يملكها حزب الله، بل مكملًا لها في البُعد الاستراتيجي، ما وفر للطائفة غطاء سياسيًا ووطنيًا واسعًا، وحماها من محاولات الإضعاف والتهميش.

وإن رهان البعض على إضعاف هذا الدور، أو محاولة عزله عن الواقع السياسي، هو رهان خاسر. فالطائفة الشيعية اليوم تملك سلاحين استراتيجيين: المقاومة المسلحة التي تمثّلها قوى المقاومة، والرؤية السياسية العميقة التي يجسّدها الرئيس نبيه بري. وما يجمع بينهما هو التنسيق العميق والرؤية المشتركة لمستقبل لبنان كدولة موحدة، قوية، وذات سيادة.

لا يمكن أن نغفل أيضًا الدور الذي لعبه الرئيس بري في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء اللبنانيين، وسعيه الدائم إلى فتح قنوات الحوار حتى في أشد الأزمات تعقيدًا. كان صمام أمان ووسيطًا لا غنى عنه في محطات كثيرة، من اتفاق الطائف، إلى حوارات ما بعد الانسحاب الإسرائيلي، إلى تفاهمات تشكيل الحكومات، ومؤتمرات الحوار الوطني.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن نبيه بري لم يكن مجرد رئيس مجلس نيابي، بل كان وما يزال “رئيسًا” في الدولة، وإن لم يحمل هذا اللقب رسميًا. هو رجل اللحظات الصعبة، ورجل التوازنات المعقدة، والعين الساهرة على مستقبل طائفته دون أن يُقصي الآخرين.

نعم، هذه الطائفة ليست وحدها، ولكنها لن تكون ضعيفة ما دام لها من يمثلها بهذا الحجم من الوعي والحكمة والحنكة. ومن يراهن على كسرها سياسيًا، يتجاهل حقيقة أن قوتها لا تكمن فقط في السلاح، بل في امتلاكها لشخصية بحجم نبيه بري.

لبنان بحاجة إلى رجال دولة. والرئيس نبيه بري، بكل ما يحمل من تجربة وثقل سياسي، هو واحد من أولئك الذين لا يمكن تجاوزهم، ولا يمكن إلا الاعتراف بدورهم الريادي في صياغة حاضر البلاد ومستقبلها.

اقرأ المزيد… نبيه بري… رجل الدولة ونقطة الارتكاز في المعادلة اللبنانية

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com