
كتب باسم الموسوي:
تدلّ الديكولونيالية على مشروعٍ معرفي-سياسي يذهب أعمق من «تفكيك الاستعمار» الإداري أو القانوني للدولة؛ إنّها تفكيك «منطِقٍ» أطول عمرًا من حقب الاحتلال نفسها، أي «الاستعمارية/الاستعمارية الباقية» التي تشكّل الوجه المظلم الملازم للحداثة الغربية منذ القرن السادس عشر. بهذا المعنى، لا تُفهم الديكولونيالية بوصفها «مرحلةً لاحقة» فقط، بل بوصفها تفكيرًا بديلًا في العالم، والمعرفة، والذات، والاقتصاد، والسياسة، من موقعٍ غير أوروبي، ومن تجارب الشعوب التي دُفعت إلى الهامش عبر خمسة قرون من التوسّع الكولونيالي.
1) من الاستعمار إلى «الاستعمارية»: لماذا لا تكفي «الاستقلالات»؟
ميّز أنيبال كيخانو بين «الاستعمار» كسيطرةٍ مباشرة و«الاستعمارية» كمنطقٍ مستدام يَربط بين تقسيمٍ عرقي للعالم، واقتصادٍ رأسمالي عالمي، ونظام معرفةٍ «أوروبيّ المركز». بهذا الربط فهمَ أنّ الحداثة، منذ تشكّل «الأمريكيتين» وتجارة الرقيق العابرة للأطلسي، تحمل في قلبها «الاستعمارية» بوصفها شرط إمكانها التاريخي والمعرفي. لذا، فإنّ زوال الإدارة الاستعمارية لا يعني زوال «الاستعمارية» التي تستمر في شكل أسواقٍ هرميّة، ومعارف مهيمنة، وسردياتٍ عنصرية تختزل «الآخر» وتعيد إنتاج تبعيته.
من هنا تَظهر وظيفة الديكولونيالية: كشف هذا «المنطق» وتفكيكه وبناء بدائل مؤسسية وأخلاقية ومعرفية. فـ«التحرّر» لا يكتمل بقانون الاستقلال، بل حين تُستعاد السلطة الاجتماعية (على العمل والجسد والذات والسلطة) إلى الناس مباشرةً، لا بوصفهم «مواطنين» في دولةٍ مستعارة فحسب، بل بوصفهم ذواتًا قادرة على إعادة تنظيم الحياة المشتركة.
2) المنعطف الديكولونيالي: من الصرخة الوجودية إلى الأفق «التعددي-العالمي»
عرّف منظّرو «المنعطف الديكولونيالي» هذا المشروع بوصفه تحوّلًا مزدوجًا: تغيّرًا في موقف الفاعل/العالِم، ثم انتقالًا من «فكرة» إلى «مشروع» للتخلّص من الاستعمارية. جذور هذا التحوّل ليست أكاديمية فحسب؛ إنّها في «صرخة» المُستعمَر أمام تحويل العنف والموت إلى اعتيادٍ يوميّ، وفي مسارات تمرّدٍ معرفية-سياسية مبكّرة (كأصوات الهنود والعبيد الهاربين والثورة الهايتية). ولذلك يختلف المنعطف الديكولونيالي عن «المنعطفات» الداخلية للحداثة الأوروبية (كاللغوي والبراغماتي)، فهو يستثمر توتّراتها لكن ينطلق من خارج مرجعيتها ليصوغ بدائلَ معيشةٍ واعتقادٍ وسياسة.
بهذا الأفق يتقدّم «التعدّد-العالمي» (pluriversalism) بدل «كونيةٍ» أحادية. ليست الغاية استبدال مركزٍ بمركز، بل تعايش عوالم ومعارف متعدّدة على قدم المساواة، تُدار بالترجمة والحوار لا بالإلغاء والضمّ.
3) المعرفة والسلطة والعرق: ثلاثية الاستعمارية
تُظهِر الديكولونيالية كيف تَشكّل «التصنيف العرقي» أداةَ تنظيمٍ اجتماعي عالمي ربطت «الاختلاف البيولوجي» المزعوم بأدوار العمل والسلطة؛ فصار «الغرب» مركزًا للقرار والربح والمعنى، بينما جرى تعميم معارفه بوصفها «عقلانية» كونية تُقصي معارف الآخرين أو تُستوعبهم باعتبارهم «مواد خام». هذه العلاقة بين العِرق/المعرفة/الرأسمالية ليست حادثًا جانبيًا؛ إنّها هيكل المنظومة العالمية، وما تزال آثارها تُحدّد مواقع الدول والشعوب في السوق والمعرفة والسياسة.
من هنا، ترفض الديكولونيالية اختزال أزمة الجنوب في «التخلّف التنموي» أو في «ضعف المؤسّسات» وحده؛ فهذه اللغة كثيرًا ما تُعيد إنتاج الاستعمارية بمعجم جديد («حوكمة»، «إصلاح»، «تدخّل إنساني»)، فيما تَستبطن هرميّاتٍ معرفية وأمنية واقتصادية تبرّر التدخّل الدائم وتعطيل البدائل المحلية.
4) إفريقيا مثالًا: لماذا بقي «التحرّر» ناقصًا؟
يُظهر تحليل التجربة الإفريقية أنّ موجات الاستقلال السياسي لم تفكّك منطق «المشاريع الإمبراطورية» ولا البنى الاقتصادية التابعة ولا الدولة الموروثة «المشقوقة» بين مواطن/مَحكوم. النتيجة: سيادة أشكالٍ من «الاستقلال القانوني» بلا سيادةٍ فعليةٍ على القرار الاقتصادي-المعرفي، وتحوّل خطاب التنمية والديمقراطية إلى أدواتٍ لإعادة الضبط لا لإعادة التوزيع.
لهذا فهمَ باحثون أفارقة أنّ معركة اليوم ليست من أجل «دولةٍ أكثر قوميةً» بالضرورة، بل من أجل «نزع استعمار الدولة» لتصبح قابلةً للديمقراطية من الأساس، أي لتحويل السلطة من جهازٍ مستورد يراقب المجتمع إلى مؤسّساتٍ تُعاد هندستها على مقاسات التعدّد المحلي وأنماط الحكم الذاتي والتداول الأفقي.
5) حداثةٌ بوجهين: نقد «الإنارة» من تخومها
يُبيّن والتر منيولو أنّ «الحداثة» لم تكن مشروع عقلٍ وتقدّم وحسب، بل قامت منذ بدايتها على «وجهٍ مظلم» هو الاستعمارية: دوافع التراكم، وتراتب الأعراق، وسردية «تحضير البرابرة». لذا لا يكتفي النقد الديكولونيالي بكشف محدوديات «نظريات التنمية» أو «نهايات الأيديولوجيا»، بل يقترح «خيارًا ديكولونيًا» يرسم مسارات فعلٍ جمعي لبناء مستقبلٍ «مشاعي» قوامه تحالفاتٌ محلية-كونية، ومعارف حدودية، واقتصاداتٌ متنوّعة لا تختزل القيمة في الربح.
6) ما الذي تفعله الديكولونيالية عمليًا؟ (خرائط طريق مختصرة)
أ) تفكيك مركزية المعرفة: الانتقال من جامعةٍ «كونية-أحادية» إلى حوارٍ مُنظَّم بين أنساق المعرفة (العلوم الغربية مع علومٍ محلية/أهلية/روحية)، ليس من باب «الفولكلور» بل من باب معياريةٍ جديدة للتثاقف والاختبار والمشاعية المعرفية. هذا ما عنته دعوات «حوار المعارف» وتجاوز «غرور نقطة الصفر» في الجامعة.
ب) إعادة تسييس الاقتصاد: الخروج من «إنجيليّة السوق» نحو تصوّراتٍ بديلة للازدهار تنطلق من المكان (place) وتنوّع الاقتصادات ومنطق العيش الكريم، لا من معيار النمو وحده. تتقاطع هنا تحليلات أرثور إسكوبار حول «السياسة من الموقع» وبناء شبكاتٍ وممارساتٍ معيشيةٍ تحمي التنوّع الحيوي-الثقافي وتقاوم اختزاله في سلعٍ بيئية.
ج) تحرير الدولة والديمقراطية: ربط الدمقرطة بنزع الاستعمارية: لا ديمقراطية ذات معنى مع اقتصادٍ مُستباح ومعرفةٍ مُؤدلجة تُعيد تراتُب الأعراق. الديكولونيالية تدفع إلى إعادة توزيع السلطة أفقيًا، وإعادة هندسة المؤسسات بما يَسمح بمشاركة حقيقية للمجتمعات المُهمّشة، وبنقل مركز القرار من «الخبرة الاستشارية» إلى «الخبرة الاجتماعية».
د) ترميم الذات المُستعمَرة: تفكيك «إبستمولوجيات الغيرية» التي تصف شعوب الجنوب دومًا عبر قاموس «النقص» (تخلّف/لاعقلانية/غياب حقوق). هذا يتطلّب سياسات ذاكرةٍ وروايةٍ وهيبةٍ ثقافية تُعيد تعريف الكرامة والوكالة، وتبني «ذاتًا» لا تُقاس بامتثالها للنموذج الغربي، بل بقدرتها على الائتلاف والتجريب وإنتاج المعنى.
هـ) أخلاقيات التحرير: عند إنريكي دوسّل، لا معنى لطقوسٍ دينية أو قيمٍ أخلاقيةٍ تفصل «الرمزي» عن العدل المادي؛ فالعبادة دون عدالةٍ اجتماعية «أصنامية». هذا البعد الأخلاقي يعيد وصل الاقتصاد بالكرامة الإنسانية ويحوّل «الأخلاق» إلى معيارٍ لنقد التراكم والنهب.
7) التوتّر مع «الكونية»: كيف لا نسقط في نسبويةٍ شاملة؟
لا تدعو الديكولونيالية إلى نسف كلّ معايير الحقيقة أو العدالة، ولا إلى «خصوصانية» منزوية؛ بل تسعى إلى كونيةٍ حواريّة تُبنى من تضافر روافد محليّة متعدّدة، وتُختبر في ميادين الحياة لا في مختبرات النصّ وحدها. لذا يظهر مفهوم «التعدّد-العالمي» بوصفه بديلًا عن كونيةٍ تُفرِغ التنوّع وتُسطّحه. هنا يكون «الربط» (re-linking) بعد «الفكّ» (de-linking): نفكّ الارتباط بمنطق الهيمنة، لنَصل المعارف والشعوب عبر قواعد إنصافٍ جديدة.
8) ماذا يعني ذلك لكل البلدان ما بعد الاستعمارية؟
1. التشخيص المشترك: مهما اختلفت الجغرافيا، هناك قاسمٌ مشترك: بقاء تراتبياتٍ عرقية-معرفية، وتبعيةٍ اقتصادية مُقنّعة بخطاب «إصلاح/حوكمة/تنمية»، واستمرار تدخلاتٍ سياسية-عسكرية تُبرَّر بـ«حقوق الإنسان» حينًا وبـ«مكافحة الإرهاب» حينًا آخر.
2. العمل على ثلاث جبهاتٍ متزامنة:
• معرفي: تعريب/تمليك المناهج لصالح «حوار المعارف» وفتح ممراتٍ مؤسسية للعلوم المحلية.
• اقتصادي-بيئي: نقل مؤشرات النجاح من «النمو» إلى «العيش الكريم»، وحماية «أقاليم الاختلاف» بوصفها مخازن للمعنى وللاستدامة، لا مواضع «تسييل».
• مؤسسي-ديمقراطي: تفكيك «الدولة المُستعمَرة من الداخل» بإعادة توزيع السلطة والموارد، وتثبيت مشاركاتٍ محلية مُلزمة، وتحويل الخبرة الاستشارية إلى خدمةٍ للقرار الاجتماعي لا بديلًا عنه.
3. تحالفاتٌ جنوب-جنوب ومنصّاتٌ حدودية: الديكولونيالية ليست عقيدة مدرسةٍ واحدة؛ إنّها شبكةٌ متعدّدة تنسج بين أميركا اللاتينية، وإفريقيا، وآسيا، والعالم العربي، وحيثما وُجد «هامشٌ» يبحث عن لسانه. لذا تكون المنصّات «الحدودية» (border thinking) ساحة التفكير والعمل المشترك، حيث تتحاور التجارب لا لتتوحّد قسرًا، بل لتتساند في مقاومة الاستعمارية.
خلاصة مركّزة
الديكولونيالية ليست «صيحة» أكاديمية عابرة، بل مشروع تحرّرٍ ممتدّ: كشف الوجه الاستعماريّ الملازم للحداثة، وتفكيك ثلاثية (العرق/المعرفة/الرأسمالية)، وبناء بدائل «تعدّدية-عالمية» في الجامعة والاقتصاد والدولة والذاكرة. لا تُقاس نجاحاتها بخطاباتٍ حسنة النية، بل بمدى إعادة الاجتماعي إلى قلب القرار واستعادة الكرامة المعرفية-المادية للمُهمَّشين، وبما تخلقه من أماكن-شبكات تقطع مع لاهوت السوق وتبني إمكانات العيش الكريم على تنوّع الأرض والبشر.
اقرأ المزيد… الديكولونيالية: من «نقد الحداثة» إلى بناء عوالم متعدّدة بعد الاستعمار
