"طاولة الحوار… بين أوراق واشنطن المحروقة وسقوف بيروت المنخفضة"

كتب العميد مالك أيوب – خبير في الشؤون الأمنية والسياسية

في السياسة اللبنانية، لا شيء يكتمل حتى ينقلب على رأسه. توماس برّاك، رجل الأعمال الأميركي-اللبناني الذي لعب دور “الوسيط” بين بيروت وتل أبيب، غسل يديه من الورقة التي قدّمها للحكومة اللبنانية قبل أسابيع، بعدما لمس بنفسه أنّ بنيامين نتنياهو لا يرى في أي تسوية سلامًا ما لم يتخلّ لبنان عن “سلاح حزب الله” بالكامل، كشرط مسبق لأي انسحاب إسرائيلي أو وقف للعمليات العسكرية.

تلك الورقة التي صفق لها بحرارة مجلس الوزراء اللبناني، وأقرّ بنودها، واعتبرها إنجازاً تاريخيا ، بدت فجأة وكأنها لقيطة ، في لحظة لبنانية بامتياز حيث تتحوّل القرارات الكبرى إلى مجرّد أوراق عابرة، لا تجد من يتبناها. فجاء نبيه بري، في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، ليطرح “طاولة الحوار” لمناقشة مسألة السلاح، وكأنه يقرأ الفاتحة على القرارين الصادرين في 5 و7 آب بشأن حصرية السلاح وخطة الجيش لجمعه بجدول زمني واضح.

الجمعة المقبل، ستجتمع الحكومة لمناقشة كرة اللهب التي أعدّها الجيش، لكنّ الأجواء متوترة: وزراء الثنائي الشيعي يلوّحون بالانسحاب إذا طُرح الملف، والجيش اللبناني نفسه يرفض أن يُستدرج إلى مواجهة داخلية مع حزب الله، فيما رئيس الحكومة نواف سلام يبدو وكأنه يمضي قدمًا في تطبيق “الوصفة الأميركية-السعودية” بحذافيرها، ولو على حساب استقرار البلد.

الشيخ نعيم قاسم قالها صراحة: “تسليم السلاح خطيئة”. أما النائب محمد رعد فاعتبره “انتحارًا سياسيًا وأمنيًا”. في المقابل، رئيس الجمهورية يحاول لعب دور “بيضة القبان”، متأرجحًا بين ضغوط الخارج، وإصرار نواف سلام على فتح الملف، وبين رفض الثنائي الشيعي أي مسّ بما يسمّونه “سلاح الكرامة”.

لكنّ القصة ليست لبنانية بحتة. إسرائيل تقرأ المشهد بشكل مختلف: نتنياهو مقتنع أنّ الفرصة ذهبية لتحقيق ما يسميه “رؤيته التوراتية” لإسرائيل الكبرى، في ظل وجود ترامب في البيت الأبيض، ودعم لا محدود من بعض العواصم الخليجية التي ترى في نزع سلاح حزب الله مدخلًا لإعادة رسم التوازنات الإقليمية. ولذا، لن يوقف القتال ما دام هناك ما تعتبره تل أبيب تهديدًا لأمنها القومي، سواء من لبنان أو غزة أو إيران أو اليمن.

هكذا، يبدو لبنان اليوم عالقًا بين مطرقة الضغوط الخارجية وسندان الانقسام الداخلي. الطائفة الشيعية تشعر بأنها محاصرة من الداخل عبر خطاب طائفي متصاعد، ومن الخارج عبر هجمة سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة. والبلد برمّته مهدّد بالانزلاق إلى فتنة داخلية إذا ما قررت الحكومة السير في تطبيق “الوصفة الجاهزة” التي صاغتها واشنطن والرياض، والتي لا ترى في حزب الله سوى بندًا يجب شطبه من المعادلة.

سخرية القدر أنّ كل ذلك يُسوَّق تحت شعار “السلام”، فيما الحقيقة أنّ المنطقة بأسرها تُدفَع إلى حافة الانفجار، من لبنان إلى سوريا وغزة، على وقع مشروع إسرائيلي يجد في ضعف النظام العربي وتفكك الداخل اللبناني فرصة لا تُعوّض. أما طاولة الحوار التي دعا إليها بري، فلا تبدو حتى الآن سوى محاولة لشراء الوقت في بلد اعتاد الرقص على الحافة، لا ان يُدار من داخل المؤسسات.

اقرأ المزيد…“طاولة الحوار… بين أوراق واشنطن المحروقة وسقوف بيروت المنخفضة” 

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com