فلسطين بين اختبار البقاء ورهان المواجهة

كتب عصام الحلبي

اليوم، وخلال ورشة عمل ، طُرح سؤال جوهري: كيف يمكن مواجهة ما تتعرض له القضية الفلسطينية من استهداف في ظل الأوضاع الراهنة؟ وهل تبقى المقاومة المسلحة بظروفها الحالية الوسيلة الوحيدة والأنجع؟
هذا السؤال كان مدخلاً لكتابة هذه المقالة التي تحاول مقاربة التحدي الفلسطيني .

لم تعد القضية الفلسطينية تعيش ظرفاً عادياً، فهي اليوم في قلب استهداف مزدوج، دعم أميركي معلن لإسرائيل، وتواطؤ أوروبي مموّه خلف شعارات الحقوق والإنسانية. هذا الواقع يفرض على الفلسطينيين أن يواجهوا التحدي بمنهج شامل، يزاوج بين ترتيب البيت الداخلي والانفتاح على المحيط والعالم.

الخطوة الأولى تبدأ من استعادة الحد الأدنى من الوحدة الوطنية. فالانقسام الطويل أنهك المشروع الفلسطيني وأضعف قدرة الشعب على مواجهة الضغوط. المطلوب ليس شعارات فضفاضة، بل توافق على رؤية جامعة تحدّد معالم المشروع الوطني بوضوح، مقاومة الاحتلال، حماية حق العودة، وصون قرار الشعب في تقرير مصيره. ويمكن أن تشكّل المؤتمرات الشعبية الجامعة، في الداخل والشتات، مدخلاً لإعادة ربط القيادة بالناس، بحيث يصبح القرار الوطني انعكاساً للإرادة الجماعية لا لحسابات الفصائل.

في المقابل، هناك جبهة الوعي والثقافة، وهي لا تقل خطورة عن أي مواجهة ميدانية. إذ أن المعركة الحقيقية تدور على الرواية، من يملك الحق في هذه الأرض؟ هنا يصبح إحياء الذاكرة الفلسطينية وتوريثها للأجيال الشابة فعلاً مقاوماً بحد ذاته، عبر المدارس، الفنون، والأنشطة الشعبية، لتبقى الرواية الفلسطينية أصيلة في مواجهة الدعاية الإسرائيلية التي تحاول إعادة صياغة التاريخ.
أما على مستوى الخطاب السياسي والإعلامي، فالمطلوب تطوير أدواته ومأسسته، بحيث يستند إلى المرجعية القانونية الدولية، ويضع الاحتلال في موقعه الطبيعي كقوة استعمارية عنصرية. هذا الخطاب يجب أن يكون موجهاً إلى الرأي العام العالمي بلغته وأدواته، بعيداً عن الانفعال، أقرب إلى التوثيق والحقائق، وقادراً على تحويل معاناة الفلسطينيين إلى قضية إنسانية أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
وفي الميدان الدبلوماسي، لم يعد كافياً الاكتفاء بالحضور الرمزي في المحافل الدولية. يجب أن تتحول الدبلوماسية الفلسطينية إلى ورشة نشطة، تُلاحق الاحتلال قضائياً في المحاكم الدولية، وتبني شبكات تحالفات مع قوى صاعدة في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، بحيث لا يبقى الصوت الفلسطيني أسيراً لميزان القوى الغربي المنحاز.

ويبقى الدور الأوسع لدى الجاليات الفلسطينية في الخارج. هذه الجاليات تمتلك قدرة كبيرة على التأثير، خاصة في أوروبا حيث تتحرك المجتمعات المدنية بقوة. إذا ما توحّد خطاب هذه الجاليات، وأعيد توجيه أنشطتها نحو الرأي العام الأوروبي، فإنها قادرة على خلق بيئة ضغط سياسي داخل دولها، تجعل الحكومات أقل اندفاعاً في دعم الاحتلال.
بهذه المعادلة المتوازية – وحدة الداخل، تماسك الرواية، قوة الخطاب، فاعلية الدبلوماسية، وحيوية الشتات – يمكن للفلسطينيين أن يحوّلوا الاستهداف إلى فرصة لإعادة بناء حضورهم الدولي. القضية الفلسطينية أثبتت على الدوام أنها عصية على الطمس، لكن المطلوب اليوم هو تجديد أدوات المواجهة لتبقى حاضرة كقضية تحرر وحق وطني وسياسي و إنساني لا يقبل المساومة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com