
كتبت رانيا كامل يونس:
عملية لم تحقق غاياتها
في ليلة الخميس 28 آب، نفّذت الطائرات الإسرائيلية سلسلة من الغارات المركزة على العاصمة اليمنية صنعاء، قالت تل أبيب إنّها استهدفت عشرة من كبار قيادات الحوثيين خلال اجتماع مغلق. الجيش الإسرائيلي وصف العملية بأنّها “نوعية” وأنّها ستحدث تحوّلًا في ميزان القوى. غير أنّ ما رُوِّج له في الإعلام العبري اصطدم برواية يمنية مغايرة: الحوثيون أكدوا أنّ قادتهم بخير، وأنّ إسرائيل فشلت في تحقيق أي اختراق، مكتفية بترك ركام من المنازل المدمرة وجثث المدنيين في الشوارع.
هذا التناقض ألقى بظلاله على صورة إسرائيل العسكرية، إذ أرادت من العملية أن تثبت قدرتها على الوصول إلى العمق اليمني، لكن النتيجة جاءت عكسية، فبدت وكأنها عاجزة عن توجيه ضربة قاصمة في بيئة معقدة.
المدنيون ضحايا الغارات الإسرائيلية
مصادر طبية في صنعاء تحدثت عن عشرات الشهداء والجرحى من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، مشيرة إلى أنّ المستشفيات المحلية امتلأت بالمصابين وأنّ فرق الإنقاذ تعمل وسط ظروف صعبة بسبب نقص المعدات.
بالنسبة للحوثيين، شكّل ذلك دليلًا إضافيًا على ما وصفوه بـ”الإجرام الإسرائيلي”، فيما استخدمته منظمات إنسانية محلية ودولية لتسليط الضوء مجددًا على خطورة استهداف المدنيين في صراعات إقليمية.
البعد السياسي والإعلامي
إعلاميًا، حاولت إسرائيل تقديم الضربة كإنجاز أمني يثبت قدرتها على الوصول إلى القيادات الحوثية، لكن التضارب في الأرقام والأهداف أعطى الحوثيين مادة دسمة لشنّ حملة معاكسة.
ففي خطاب متلفز، أكّد الناطق العسكري باسم الجماعة أنّ “إسرائيل سعت لصناعة نصر وهمي لكنها فشلت، وسيدفع العدو ثمن جرأته قريبًا”. هذا التصعيد الخطابي عزّز صورة الحوثيين كقوة صامدة قادرة على تحدي خصم متفوق تقنيًا.
الأبعاد الدولية
ردود الفعل الدولية لم تتأخر. موسكو وبكين سارعتا إلى إدانة الهجمات بوصفها انتهاكًا للسيادة اليمنية، بينما اتخذت واشنطن موقفًا أكثر حذرًا، مكتفية بالدعوة إلى “خفض التصعيد”.
خبراء في الشأن الدولي حذّروا من أن تكرار الضربات الإسرائيلية على اليمن قد يفتح الباب لمواجهة إقليمية أوسع، لاسيما إذا رد الحوثيون باستهداف الملاحة في البحر الأحمر أو بإطلاق صواريخ على دول الجوار.
البحر الأحمر في عين العاصفة
السيطرة الحوثية على باب المندب تعطي الجماعة أوراقًا استراتيجية بالغة الأهمية. أي تصعيد إسرائيلي ضدهم يهدد بتحويل البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مباشرة، حيث تمر واحدة من أهم طرق التجارة العالمية.
تقارير عسكرية غربية رجحت أن يرد الحوثيون عبر عمليات بحرية أو هجمات بالطائرات المسيّرة ضد سفن إسرائيلية أو تلك التابعة للتحالف الدولي، ما قد يرفع كلفة العملية على الاقتصاد العالمي بأسره.
قراءة في الإستراتيجية الإسرائيلية
العملية الأخيرة تندرج ضمن مسعى إسرائيلي أوسع لتقليص نفوذ “محور المقاومة” في المنطقة، بعد تصاعد هجمات الحوثيين على الملاحة الإسرائيلية في الأشهر الماضية.
لكن الفشل في اغتيال القيادات البارزة يعكس إشكاليات بنيوية:
محدودية المعلومات الاستخباراتية داخل بيئة محصنة كالتي تسيطر عليها الجماعة.
التوظيف الإعلامي المفرط للعملية، ما جعل الفشل مضاعفًا من الناحية السياسية والمعنوية.
غياب الأفق الإستراتيجي، إذ لا تملك إسرائيل خطة واضحة للتعامل مع تبعات تصعيدها في ساحة معقدة كاليمن.
انعكاسات على التوازنات الإقليمية
فشل الضربة أعطى الحوثيين دفعة معنوية جديدة، وجعلهم يظهرون كقوة قادرة على الصمود في مواجهة إسرائيل، ما يرفع رصيدهم في الداخل اليمني ويعزز موقعهم ضمن المحور الإقليمي المتصل بطهران.
في المقابل، باتت إسرائيل أمام معضلة مزدوجة: لم تحقق الهدف العسكري، وخسرت معركة الرواية الإعلامية، مما يضعها تحت ضغط داخلي وخارجي للبحث عن خيارات بديلة أقل كلفة وأكثر فعالية.
الخلاصة
العملية الإسرائيلية في صنعاء لم تكن مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل محطة مفصلية تعكس صراع الإرادات في المنطقة. فشلها يكشف أنّ إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لا تستطيع بسهولة فرض معادلة جديدة في ساحة متشابكة مثل اليمن.
إنها صفعة مدوية قد تعيد رسم مسار الصراع: الحوثيون أكثر قوة وثقة، إسرائيل أكثر إرباكًا، والبحر الأحمر أكثر عرضة للاشتعال. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أنّ القادم يحمل جولات أعنف، ليس في سماء صنعاء وحدها، بل على امتداد الممرات البحرية والإقليمية التي تختزن مصالح العالم كله.
