سيادة بالتقسيط… وطبخة بحص على الغاز الأميركي!

*العميد مالك أيوب- خبير في الشؤون الأمنية والسياسية*
*٢٧/٨/٢٠٢٥*

عاد المبعوث الأميركي توم براك من تل أبيب إلى بيروت، ترافقه *الأمّورة الجميلة مورغان أوروتاغوس* ذات القلب الأسود والابتسامة الصفراء بعد أن أطلعا نتنياهو على “الخلطة السحرية” وفق سياسة “الخطوة خطوة”. لكن نتنياهو ، كان واضحاً: أي خطوة لا تبدأ بنزع سلاح حزب الله وتنتهي بتجريد لبنان من آخر ورقة قوّة، لا تعنيه إطلاقاً، مهما زُيّنت له بوعود الازدهار والمستقبل المشرق والتمويل القطري – السعودي.

الطريف أنّ السيناتور الجمهوري *ليندسي غراهام* الذي رافق الوفد ، صرح قبل أن تطأ قدماه بيروت قائلاً بوقاحة : “*اما تفكيك حزب الله أو لا مال ولا اقتصاد*.” وكأنّه يختصر السياسة الأميركية بجملة واحدة: سلّم سلاحك اولاً ثم تُنزع روحك ثانياً .

أما حزب الله، وببرودة أعصاب محسوبة، نسف الفكرة من أساسها. الشيخ نعيم قاسم أعلنها صراحة: “*الحكومة اللبنانية أثبتت أنّها ليست أمينة على السيادة، ومن لا يُؤتمن على السيادة يُفرّط بها*.” وكأنّه يقول للأميركيين وحلفائهم: “تريدون من حكومة لا تحفظ سيادتها أن تنزع سلاح من يحميها؟ شرّ البلية ما يُضحك فعلاً!”

ثم جاءت القنبلة الأميركية على لسان *الأمّورة* ، التي صرّحت قبل العشاء في الجميزة – ربما تحت تأثير الخمر وأضواء المطاعم والكوكتيلات وموسيقى الجاز – بأنّ “نعيم قاسم وحزب الله لا يمثلون لبنان، بل يمثلون المصالح الإيرانية.” طبعاً، هذا لا يُعتبر تدخّلاً في الشؤون الداخلية اللبنانية، ولا تحريضاً على مكوّن أساسي من مكوّنات البلد، لأنّ واشنطن هي صاحبة الامتياز الحصري لتعريف السيادة وتوزيع شهادات بالوطنية.

أما لو تجرّأ أحد المسؤولين الإيرانيين يوماً وقال إنّ سمير جعجع وحزب القوات اللبنانية لا يمثلون لبنان بل المصالح الأميركية – الإسرائيلية في لبنان، فحينها سيُستدعى السفير الايراني في بيروت وتُقرع طبول الحرب الدبلوماسية، وستُعقد القمم الطارئة، وسيُعقد مجلس الأمن، لأنّ التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية” خط أحمر… يُرسم دائماً بأقلام أميركية فقط.

هكذا إذاً، سقطت فكرة المنطقة الاقتصادية قبل أن تُولد، وتحولت طبخة براك وأورتاغوس إلى طبخة بحص قبل أن تصل النار إليها ، وتحوّل الحراك الأميركي في لبنان إلى مجرّد استعراض سياسي وتذوق للأطعمة الفاخرة والحلويات الغنية بالكوليسترول ، فيما إسرائيل تواصل التملص من أي التزام، والحكومة اللبنانية تؤكّد أنّها آخر من يَحق له الكلام ، لأنها فرّطت بالسيادة قبل أن تُطالب بها.

وبينما تستمر واشنطن في إلقاء المحاضرات علينا عن الديموقراطية والسيادة، يبقى لبنان مسرحاً مفتوحاً لتدخلات خارجية ، وأبوابه مشرّعة لرياح التغيير الموهوم …

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com