"في ظل خطاب أحمد الشرع: سوريا الجديدة على مفترق العلاقة مع لبنان"

بقلم: الدكتور أسامة توفيق مشيمش

في مشهد يعكس تحولات واضحة في الخطاب السياسي السوري، خرج رئيس الجمهورية الجديد في سوريا، أحمد الشرع، بتصريح استثنائي وغير مألوف في نبرته ومضمونه، مفاده: “أتطلع إلى كتابة تاريخ جديد للعلاقات اللبنانية السورية وتحرير الذاكرة من الإرث الماضي، وهناك من يصوّرنا كإرهابيين وتهديد وجودي، وهناك من يريد الاستقواء بسوريا الجديدة لتصفية حسابات مع حزب الله. ونحن لا هذا ولا ذاك.”

هذا الكلام، وإن بدا هادئًا وموزونًا في نبرة الاعتدال، يخفي في طياته كثيرًا من الرسائل الضمنية الموجهة إلى الداخل اللبناني، وربما الأهم، إلى طرفين متقابلين: حزب الله من جهة وخصومه السياسيين من جهة أخرى.

سوريا الجديدة بين الرماد والبعث

منذ تولّي أحمد الشرع رئاسة الجمهورية بعد سنوات الحرب والجمود السياسي، يحاول النظام الجديد في دمشق أن يرسم صورة مختلفة لسوريا ما بعد الصراع. صورة تبتعد – نظريًا على الأقل – عن التدخل الفجّ في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، وبالأخص لبنان، الذي كان تاريخيًا ساحة للنفوذ السوري الأمني والسياسي.

حديث “تحرير الذاكرة” من الإرث الماضي يُفهم على أنه محاولة لتصفية الحساب مع السياسات التي اعتمدها النظام السابق بقيادة بشار الأسد، خاصة ما يتعلق بالوجود السوري في لبنان حتى عام 2005 وما رافقه من ملفات شائكة وانقسامات داخلية لبنانية عميقة.

غير أن هذا الخطاب، وبالرغم من مرونته، يضع سوريا في قلب المعادلة اللبنانية مجددًا – ولكن هذه المرة من موقع مختلف. فالرئيس الشرع لا يتحدث فقط عن رغبة في تحسين العلاقات، بل يلمّح إلى رفض مزدوج: رفض أن تُصوّر سوريا كتهديد وجودي، ورفض أن تُستخدم سوريا الجديدة كأداة لضرب حزب الله أو استهدافه سياسيًا.

بين الاعتدال والتوازن الحرج

يأتي هذا الخطاب في لحظة حساسة، حيث يسعى لبنان للنجاة من أزماته المتشابكة اقتصاديًا وسياسيًا، بينما تحاول سوريا أن تخرج تدريجيًا من عزلتها الإقليمية والدولية. في هذا السياق، تبدو دعوة الشرع إلى التوازن وكأنها محاولة لتموضع سياسي جديد، يضع سوريا كـ”دولة حكماء” لا كطرف في محور أو معسكر.

لكن هذه المقاربة، رغم اتزانها الظاهري، لا تخلو من تناقضات جوهرية. فالتحذير من استخدام سوريا في مواجهة حزب الله، يمكن أن يُفهم على أنه تحذير مبطن للقوى المناهضة له، بينما رفض تصوير سوريا كخطر وجودي، هو في ذاته رد غير مباشر على سرديات خصوم دمشق الذين يربطون بين النظامين السابق والحالي.

بعبارة أخرى، يسعى الشرع إلى فك الاشتباك السوري عن المعادلة اللبنانية، لكنه في الواقع يعيد ربط دمشق بهذه المعادلة عبر التأكيد على أن سوريا الجديدة ليست في جيب أحد – لا الحلفاء ولا الخصوم.

حزب الله: في عين الخطاب

بالنظر إلى المعطيات السياسية، لا شك أن حزب الله يتعامل مع هذا الخطاب بكثير من الحذر. فبين السطور، ثمة دعوة إلى رسم علاقة مختلفة مع الحزب، أقل التصاقًا وأكثر استقلالية، وهي مسافة قد تُفسر من بعض قادة الحزب على أنها بداية “تفلت” من محور المقاومة أو على الأقل إعادة تعريف لموقع سوريا فيه.

لكن لا إشارات واضحة على قطيعة. فالرئيس الشرع، على عكس ما قد يروج له بعض خصوم الحزب، لا يدعو إلى معاداته، بل يُحذّر من زجّ سوريا في أتون صراعات داخلية لبنانية. ومن هنا قد نفهم الرسالة على أنها رغبة في حفظ موقع متمايز لسوريا، لا تابِعًا ولا خصمًا، بل ضامنًا “نظريًا” للتوازن.

استقواء… وعقلنة؟

الطرف الآخر الذي يقصده الشرع – وهو من “يريد الاستقواء بسوريا الجديدة لتصفية الحسابات” – يُحتمل أن يكون أطرافًا في المعارضة اللبنانية ترى في النظام السوري الجديد فرصة لتقليص نفوذ حزب الله أو تحجيمه سياسيًا. الشرع، من موقعه، يرفض أن تكون سوريا الجديدة أداة لهكذا مشاريع، حتى لو كانت هذه المشاريع تلقى تأييدًا إقليميًا أو دوليًا.

وهنا، تكمن عقلنة الموقف، لكنه أيضًا يُظهر أن سوريا ما زالت تدرك جيدًا أنها حاضرة بقوة – ولو بشكل غير مباشر – في التوازنات اللبنانية.

هل تكفي النوايا؟

يبقى السؤال الأساسي: هل الخطاب وحده كافٍ؟ هل يكفي أن تتكلم دمشق بلسان جديد كي يصدقها الداخل اللبناني؟

الذاكرة اللبنانية مثقلة بأحداث وتدخلات ومآسٍ لا تُنسى بسهولة، ومن الصعب أن تُمحى بنوايا طيبة أو تصريحات متوازنة. ما ينتظره اللبنانيون – باختلاف مواقعهم – هو ترجمة حقيقية لهذا الخطاب: احترام السيادة، إنهاء أي تدخل خفي، وضبط العلاقة على أساس المصالح المشتركة لا الاصطفافات.

حتى الآن، لا تزال سوريا الجديدة – كما يصفها رئيسها – في طور التشكّل. والأيام المقبلة وحدها من ستكشف ما إذا كان هذا الخطاب مقدمة لتحوّل فعلي، أم مجرد إعادة تدوير لخطاب قديم بثوبٍ جديد.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com