تسليم شاحنة السلاح في مخيم برج البراجنة… خطوة أولى بين السيادة اللبنانية والهواجس الفلسطينية

بقلم: عصام الحلبي – بيروت

لم يكن مشهد تسليم شاحنة صغيرة محمّلة بأسلحة متوسطة وثقيلة من داخل مخيم برج البراجنة إلى الجيش اللبناني مساء أمس الخميس حدثًا عابرًا. فالمشهد الذي أُريد له أن يكون “تقنيًا” وأمنيًا بحتًا، حمل في طياته رمزية سياسية أعمق، لبنان يضع أول حجر على طريق حصرية السلاح بيد دولته، فيما يبعث الفلسطينيون برسالة مزدوجة مفادها أنهم شركاء في ضبط الأمن لكنهم في المقابل لا يريدون أن تتحول هذه الشراكة إلى مقايضة على حقوقهم المدنية والإنسانية.

سلاح غير شرعي أم بداية مقاربة جديدة؟

الفلسطينيون، على لسان قائد الأمن الوطني اللواء صبحي أبو عرب، بدوا واضحين، ما جرى تسليمه لا يمت بصلة إلى سلاح الفصائل، بل هو سلاح “طارئ” دخل قبل 48 ساعة وتمت مصادرته وتسليمه. لكن الرسالة الأهم هي في تأكيده أن الفصائل لا تزال ملتزمة بعدم إدخال أي سلاح جديد، ما يعني أن ثمة رغبة في طمأنة الدولة اللبنانية، خصوصًا في لحظة سياسية حساسة.
لكن السؤال يبقى هل ما جرى مجرد معالجة لعارض أمني، أم أنه إشارة إلى استعداد فلسطيني–لبناني للذهاب أبعد في معالجة ملف السلاح التاريخي داخل المخيمات؟

السيادة اللبنانية… مطلب ثابت لكن بآليات جديدة
لبنان الرسمي، من خلال رئيس لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني السفير رامز دمشقية، وضع الخطوة في خانة تنفيذ مقررات القمة اللبنانية–الفلسطينية (21 أيار 2025). الهدف واضح، بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح. لكن هذه المرة ليس عبر شعارات عامة بل عبر “آلية تنفيذية وجدول زمني”.
الجديد هنا أن النقاش لم يعد في ما إذا كان يجب تسليم السلاح، بل في كيفية إدارة هذا التسليم تدريجيًا دون انفجار المخيمات أو كسر التوازنات الحساسة فيها.

من القاهرة إلى الطائف… عقدة السلاح الفلسطيني

ملف السلاح الفلسطيني في لبنان لطالما كان معقّدًا، تتنازعه ثلاثة مستويات، الأمن، السيادة، والحقوق.

اتفاق القاهرة (1969): شرعن وجود السلاح مقابل ضبطه.

الاجتياح الإسرائيلي (1982): أخرج منظمة التحرير من بيروت لكن أبقى “الأمن الذاتي”.

اتفاق الطائف (1989): ألغى القاهرة، منع السلاح خارج المخيمات، وترك معالجة السلاح داخلها للحوار لاحقًا . لكنه لم يضع آليات واضحة، بل أبقى القضية رهينة التوازنات اللبنانية–السورية آنذاك.

نهر البارد (2007): أثبت أن أي سلاح خارج وصاية الفصائل الرسمية يتحول إلى تهديد للدولة وللاجئين معًا.

اليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على الطائف، يعود السؤال هل نشهد للمرة الأولى ترجمة عملية لبند “تنظيم السلاح داخل المخيمات” الذي بقي معلقًا طوال هذه السنوات؟

الحقوق قبل السلاح… معادلة الفلسطينيين

الفلسطينيون في لبنان لطالما ردّدوا أن الأمن وحده لا يصنع استقرارًا. فمشكلة المخيمات ليست في الكلاشينكوف وحده، بل في انسداد الأفق أمام جيل ثالث من اللاجئين وُلد وعاش في لبنان دون أن يحصل على أبسط حقوقه:

ممنوع من عشرات المهن.

محروم من التملك.
يعيش بين قوانين تضعه في خانة “الأجنبي”، بينما هو لاجئ قسري بقرار دولي.
ومن هنا، فإن تسليم أي قطعة سلاح لا ينفصل عن رسالة سياسية ضمنية، نحن مستعدون للتعاون أمنيًا، لكن بالمقابل افتحوا لنا أبواب العمل والكرامة والحياة الإنسانية.

بين السيادة والهواجس… ماذا بعد برج البراجنة؟

تسليم الشاحنة اليوم قد يُقرأ كبداية “حسن نوايا” بين الدولة اللبنانية والفصائل الفلسطينية. لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد هذا المشهد الرمزي.
هل سيُصار إلى بلورة خطة شاملة تضبط السلاح وتؤمّن في المقابل حقوق الفلسطينيين؟

هل يستطيع لبنان أن يوازن بين مطلبه الدائم بحصرية السلاح وبين حساسية الفلسطينيين من أن يتحول نزع السلاح إلى مقدمة لـ”تجريدهم من الضمانة الأمنية” داخل المخيمات؟

وهل المجتمع الدولي حاضر ليدعم مقاربة حقوقية موازية، أم أن كل ما سيحصل هو إجراءات أمنية بمعزل عن أي إنصاف إنساني؟

وفي المحصلة قد يكون ما جرى في برج البراجنة ليس مجرد تسليم شاحنة أسلحة. إنه مؤشر سياسي على أن ملف السلاح الفلسطيني لم يعد مؤجلًا، وأنه بات مطروحًا على طاولة التنفيذ بخطوات متدرجة. لكن المعادلة ستبقى ناقصة إذا لم تقترن السيادة اللبنانية على أراضيها بإنصاف إنساني–مدني للفلسطينيين.
فبين هواجس الدولة وحقوق اللاجئين، يظل السؤال المركزي، كيف يُدار هذا الملف بما يحفظ لبنان من الفوضى، ويمنح الفلسطينيين حياة كريمة، من دون أن يُنظر إليهم كتهديد أمني دائم أو مشروع توطين مؤجل؟

تسليم شاحنة السلاح في مخيم برج البراجنة… خطوة أولى بين السيادة اللبنانية والهواجس الفلسطينية

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com