
كتب باسم الموسوي:
تمهيد
يحتلّ صلاح الدين الأيوبي مكانة استثنائية في المخيال العربي والإسلامي الحديث. في الكتب المدرسية، في الأدبيات القومية والإسلامية، وفي الخطاب السياسي المعاصر، يقدَّم بوصفه البطل الذي أعاد توحيد المسلمين، وقهر الصليبيين، وحرر القدس. لكن ما الذي يتبقى من هذه الصورة حين نضعها أمام الوثائق، ونقرأ سيرة صلاح الدين بعيون مؤرخ غربي من طينة جوناثان فيليبس، المتخصص في دراسات الحروب الصليبية؟ كتاب The Life and Legend of the Sultan Saladin (2019) يحاول الإجابة: يروي قصة الرجل، لكنه في الوقت نفسه يكشف كيف وُلدت الأسطورة حوله، وكيف أعيد تشكيل صورته عبر قرون طويلة من التلقي.
المراجعة هنا لا تسعى إلى إعادة عرض محتويات الكتاب فحسب، بل إلى التفكير في دلالاته الفكرية والسياسية: كيف يمكن قراءة مشروع صلاح الدين في سياق صراعات السلطة والمذهب في القرن الثاني عشر، وكيف تحولت سيرته إلى مادة سياسية حديثة استُخدمت لتعبئة الهويات في المشرق العربي.
أولًا: السياق التاريخي الذي يرسمه الكتاب
يؤكد فيليبس أنّ فهم صلاح الدين لا ينفصل عن ثلاثة سياقات متشابكة:
1. سقوط الخلافة الفاطمية في مصر (1171): حيث لعب صلاح الدين دور المنفّذ الحاسم لعملية إنهاء التشيع الفاطمي، وإعادة وصل مصر بالخلافة العباسية السنيّة.
2. الصراع مع الصليبيين: الذي جعل منه بطل المواجهة الإسلامية–المسيحية، خصوصًا بعد انتصاره في حطين (1187) واستعادته القدس.
3. المعركة على الشرعية داخل العالم الإسلامي: إذ لم يكن الصراع مع الصليبيين وحده يحدد موقعه، بل أيضًا صراعه ضد الأمراء الزنكيين والإسماعيليين والحشاشين في الشام.
هذا التداخل بين الصراع الداخلي والخارجي هو مفتاح لفهم مشروعه: لم يكن التوحيد الإسلامي ثمرة نزعة مثالية وحدوية، بل نتيجة براغماتية سياسية هدفها إزالة كل منافس محتمل.
ثانيًا: مصر وإبادة التشيع الفاطمي
واحدة من أبرز إسهامات الكتاب تكمن في رسم صورة مفصلة لصلاح الدين في مصر. حين وصل إليها وزيرًا للخليفة الفاطمي العاضد (1169)، كانت الدولة الفاطمية منهكة، لكنّها لم تكن مجرد هيكل فارغ. كان هناك جهاز عسكري–إداري راسخ، أهمه الحرس الأسود المؤلف من آلاف الجنود النوبيين الذين حَموا الخلافة لقرون.
بعد وفاة العاضد (1171)، ألغى صلاح الدين الدعاء للخليفة الفاطمي وأعاده إلى العباسيين. لكن هذا الانتقال لم يكن سلميًا: اندلعت معارك ضارية في القاهرة بين جيشه والحرس الأسود. يصف الكتاب كيف تحوّلت الشوارع إلى ساحات دم، وكيف أُبيد الحرس تقريبًا، في ما يشبه المجزرة المؤسسة للدولة الأيوبية.
بهذا، لم يكتفِ صلاح الدين بإنهاء الخلافة سياسيًا، بل ألغى بالقوة الوجود العسكري الفاطمي، وأعاد هيكلة المشهد الديني عبر إغلاق المؤسسات الشيعية أو تحويلها إلى سنيّة. هذه الخطوة كانت ضرورية، برأيه، لتأمين ظهره في مصر قبل التفرغ للصليبيين في الشام.
ثالثًا: الشام، الحشاشون، وتسنين الفضاء العام
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى الشام حيث برزت معضلة أخرى: وجود الحشاشين الإسماعيليين في جبال الساحل السوري، وامتداد نفوذ شيعي ورث أثر الفاطميين. هنا اتبع صلاح الدين سياسة مزدوجة:
• القمع العسكري: إذ خاض حملات ضد الحشاشين بعد محاولتي اغتيال فاشلتين (1176، 1177)، وأضعف قواعدهم.
• التجفيف العقائدي: عبر إنشاء المدارس الشافعية، ودعم العلماء السنّة، وتهميش الفقهاء الشيعة.
النتيجة كانت إعادة تشكيل المجال الديني في الشام ليصبح سنيًا بأغلبية ساحقة. لم يكن ذلك وليد تعصب محض، بل خطة سياسية لتأمين وحدة الجبهة الإسلامية تحت راية الأيوبيين.
رابعًا: الصورة المزدوجة – بين احترام الغرب وتقديس الشرق
من أجمل ما يقدمه الكتاب هو تتبعه لكيفية نشوء أسطورة صلاح الدين. في الغرب اللاتيني، بُنيت صورته على أساس الاحترام الفروسي: الرجل الذي هزم الصليبيين لكنه عامل خصومه بكرامة، سمح للمسيحيين بالخروج من القدس آمنين، وأظهر صفات الفروسية التي أعجب بها الأوروبيون. هذه الصورة جعلته لاحقًا رمزًا في الأدب الغربي، من دانتي إلى والتر سكوت.
في الشرق الإسلامي، أعيدت صياغة صورته في القرن العشرين خصوصًا: صار رمزًا للتحرير الوطني، وللوحدة الإسلامية، وللمقاومة ضد الاستعمار. هكذا استُحضر اسمه في خطاب جمال عبد الناصر، وفي الخطاب القومي العربي، وحتى في الأدبيات الإسلامية الحديثة.
لكن الفارق أنّ الغرب ركز على صفاته الأخلاقية الفردية، بينما ركز الشرق على دوره السياسي التحريري. وبين الصورتين تضيع أحيانًا الحقيقة التاريخية لرجل بنى دولته على العنف المنظم، وقاد مشروعًا سنّيًا ضد خصومه الشيعة لا يقل أهمية عن حروبه ضد الصليبيين.
خامسًا: البعد السياسي والفكري للمراجعة
ما يكشفه الكتاب ليس مجرد تفاصيل تاريخية عن معارك أو تحولات سياسية، بل آلية صناعة البطل في الذاكرة الجمعية. فيليبس يذكّر القارئ بأن صلاح الدين لم يكن “زمنه” فقط، بل صار مادة لإعادة اختراع التاريخ بحسب حاجات كل عصر.
• في زمنه، كان رجل دولة يطمح إلى الشرعية عبر خدمة العباسيين وإلغاء الفاطميين.
• في عيون الغرب الوسيط، كان فارسًا مسلمًا نبيلاً رغم عدائه.
• في زمن النهضة القومية، صار “بطل الوحدة والتحرير”.
• وفي حاضرنا، يتجاذبه الإسلاميون والقوميون بوصفه رمزًا صالحًا لكليهما.
لكن ما يغيب في هذه التمثلات أنّ مشروع صلاح الدين كان مشروعًا للسيطرة وبناء الدولة عبر الدم: إبادة الحرس الأسود في مصر، سحق الإسماعيليين في الشام، إخضاع المدن السنّية نفسها عبر القوة. هذه ليست صورة المصلح الموحّد، بل صورة السياسي الذي لم يتردد في القمع من أجل بناء نظامه.
سادسًا: الدرس المعاصر
لماذا تهمنا قراءة كهذه اليوم؟ لأنها تكشف أن الأساطير السياسية تُبنى دائمًا على انتقائية الذاكرة. صلاح الدين الحقيقي ليس هو بالضرورة صلاح الدين الذي ندرسه في المدارس. تلميع صورته يخدم حاجات الحاضر أكثر مما يعكس وقائع الماضي.
حين يُستحضر اليوم في خطاب “المقاومة” أو في خطاب “الوحدة”، يُحجب الجانب الأكثر تعقيدًا من سيرته: أنّ توحيد الجبهة الإسلامية كان يمر عبر حروب داخلية ومجازر ضد مسلمين آخرين. هذه الحقيقة قد لا تناسب خطابًا تعبويًا يبحث عن رموز نقية، لكنها ضرورية لفهم السياسة كما هي: صراع على السلطة، لا أسطورة خالدة.
خاتمة
كتاب جوناثان فيليبس يقدّم لنا صلاح الدين كما لم نعرفه: قائدًا سياسيًا محنّكًا، بنى مجده على تحالفات متقلّبة، وعلى قمع دموي، وعلى براعة في إدارة الرموز الدينية. ليس ذلك انتقاصًا من إنجازاته العسكرية في مواجهة الصليبيين، بل محاولة لوضعها في سياقها الأوسع: أنّ النصر الخارجي كان مشروطًا أولًا بإعادة هندسة الداخل الإسلامي لصالح الأيوبيين.
من هنا تأتي قيمة الكتاب: أنّه يحرّرنا من رومانسية الصورة السائدة، ويعيدنا إلى أرض التاريخ الواقعي حيث الدم والسياسة متلازمان. وفي ذلك درس بليغ: أن الأبطال الذين نصنعهم قد يكونون مختلفين جذريًا عن الرجال الذين عاشوا فعليًا، وأن صلاح الدين هو مثال كلاسيكي على الفارق بين الحياة والأسطورة.
