بقلم: د. أسامة توفيق مشيمش
في لقاء تلفزيوني جرى مؤخرًا على شاشة “التلفزيون العربي”، طُرح على الوزير اللبناني طارق متري سؤال في غاية الحساسية والجدية، إذ سألته المحاورة بصراحة:
> “ماذا لو نزعت الدولة السلاح ثم لم تنسحب إسرائيل ولم يتوقف العدوان؟”
فكان جواب الوزير:
“لا أستطيع الإجابة على هذا السؤال، نراهن على احترام إسرائيل للاتفاق.”
جواب يبدو في ظاهره متوازنًا، مترددًا، لكنه في عمقه يُثير قلقًا مشروعًا، بل ويستدعي نقاشًا نقديًا هادئًا في جوهره السياسي والوطني.
بين الواقعية السياسية… والمراهنة العاطفية
السياسة لا تُبنى على “الرهان” بل على الضمان، ولا على النية المفترضة بل على القراءة التاريخية والتجريبية. حين يقول وزير في موقع مسؤولية وطنية: “نراهن على احترام إسرائيل للاتفاق”, فإننا لا بد أن نتساءل بواقعية:
ما هو سجل إسرائيل في احترام الاتفاقات السابقة؟
ما هي أدوات الردع أو الضمان التي تحوزها الدولة اللبنانية في حال نقض الطرف الآخر التزامه؟
للأسف، التاريخ القريب والبعيد لا يُعزز مثل هذه الرهانات. إسرائيل لم تُعرف يومًا بالتزام طوعي باتفاقات وقعتها تحت الضغط، بل كثيرًا ما نقضتها أو أعادت تفسيرها على نحو أحادي يخدم مصالحها الأمنية والاستراتيجية. من هنا، يصبح الرهان على التزامها دون ضمانات خطيئة سياسية، لا خيارًا تكتيكيًا.
تصريح لا يُجيب… بل يُعلّق في الهواء
تصريح الوزير متري يُخلي مسؤوليته بعبارة: “لا أستطيع الإجابة على هذا السؤال”.
لكن أليس هذا هو جوهر السؤال الوطني الآن؟
أليس من واجب الدولة ممثلة بوزرائها أن تجيب على الأسئلة الصعبة بدل الهروب منها أو تعليقها في فراغ سياسي؟
فالسيناريو الذي طرحته المحاورة ليس خياليًا، بل شديد الواقعية: ماذا لو قامت الدولة بنزع سلاح المقاومة، تلبية لطلب دولي أو تفاهم أميركي–إسرائيلي، ثم فوجئت بأن إسرائيل لم تنسحب من الجنوب، أو استمرت في غاراتها؟ ما الخطة “ب”؟ ما الحصانة الوطنية في هذه الحالة؟ وهل نكتفي بالقول: “راهنّا وخسرنا”؟
لا ضمانات أميركية… ولا التزام إسرائيلي
ما يزيد التصريح ارتباكًا هو إقراره الضمني بأن لا الأميركيين قدّموا ضمانات، ولا الإسرائيليون أبدوا استعدادًا لتنفيذ الاتفاق. ومع ذلك، تستمر الدولة في النقاش حول خطوات جوهرية مثل نزع السلاح، وهي لا تملك حتى غطاءً دبلوماسيًا يضمن تنفيذ ما يُتفق عليه.
في السياسة الدولية، يُعدّ هذا خطأ فادحًا في التقدير: أن تتخذ قرارًا استراتيجيًا بناءً على “افتراض حسن نية” من طرف لطالما كان خصمًا استراتيجيًا بل ومحتلًا لا يُخفي أطماعه ولا سياساته العدوانية.
المعادلة الوطنية لا تُبنى على أحاديث نوايا
النقاش حول سلاح المقاومة ليس جديدًا في لبنان، لكن طرحه في هذه اللحظة، وفي هذا السياق، يجب أن يكون أكثر رصانة. فالوضع الحدودي متوتر، والاعتداءات الإسرائيلية شبه يومية، والبيئة الإقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات.
فكيف يمكن لدولة أن تفتح ملفًا بهذا الحجم، ثم تعلن بصراحة وهدوء أنها لا تملك خطة بديلة، ولا تعرف ما ستفعل إذا لم يلتزم الطرف الآخر؟ إن هذا ليس مجرد ضعف سياسي، بل هو إخلال بمبدأ السيادة والمسؤولية الوطنية.
خاتمة: عندما يُصبح الصمت مخاطرة
في المحصلة، لا نطالب الوزير متري أو أي مسؤول أن يكون نبيًا يقرأ الغيب. لكننا نطالبه ومن موقعه كسياسي ومثقف أن يتحدث بلغة السياسة الحقيقية، لا بلغة الافتراضات والمراهنات. التصريحات الرمادية التي لا تجيب عن الأسئلة الجوهرية، تُشجّع على اتخاذ قرارات كارثية بلا بوصلة.
لبنان لا يملك ترف الوقوع في الفخاخ السياسية مجددًا. وإذا كان البعض يريد نزع سلاح المقاومة، فليجب أولًا على سؤال: “ماذا بعد؟”، لا أن يُبقي الإجابة معلّقة في الهواء، بانتظار أن “تحترم إسرائيل الاتفاق”، وكأننا لا نعرف إسرائيل، ولا تاريخها.
