
كتب محمد عبد الله فضل الله:
لا يخفى على أحد هذا الإرث من العقوبات والحصار الاقتصادي الذي استهدف إيران وتأثرت به العديد من القطاعات الاقتصادية على الرغم من سعي الحكومة إلى احتواء ما يمكن احتواؤه عبر تحقيق الاكتفاء الذاتي الذي لا بد منه بوجه خاص بعد العدوان الاسرائيلي الأميركي على البلاد .
الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة وضعت البلاد أمام تحديات ضخمة على المستويات كافة والأهم في كل ذلك الوضع الداخلي وتعزيز بنيته السياسية والاجتماعية بما يحفظ الاستقرار ويبعد البلد عن أية اهتزازات كون اللحظة مصيرية وتستدعي من الجميع الانفتاح والتعاون على أسس متينة ومنها العودة إلى سماع صوت الشعب وبوجه خاص الشباب وتلبية حاجاته وطمأنته وخلق مناخات الثقة على المستوى العام .
فالإصلاح ومواجهة الفساد وتعزيز الحياة السياسية والدينية والثقافية ومراجعة نقاط الضعف الأمنية والاقتصادية والسياسية ومشاركة الجميع في صنع القرار السياسي والأمني بما يحفظ مصلحة البلاد من الضرورة بمكان لتثبيت دعائم البلد في مواجهة كل التحديات التي تعصف به .
قاع الهاوية لا يجب أن ترقص عليه كل الأطراف لأنه ممنوع السقوط ولا يكون ذلك إلا بإصلاحات حقيقية تحاكي إرادة الأمة وتحسين الأداء العام وقراءة الأحداث الدولية والإقليمية بمزيد من المسؤولية في هذه المرحلة الدقيقة.
لعل ما اقترحه الرئيس السابق الشيخ حسن روحاني مهم في هذه المرحلة كرؤية تحتاج إلى التوقف عندها ومناقشتها بهدوء من الجميع، ومن أبرزها صياغة استراتيجية وطنية جديدة تعكس إرادة الشعب، مع حصر مهام القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في وظائفها الأساسية بعيداً عن الاقتصاد وغيره، وإصلاح القضاء ليكون مستقلاً.
بغض النظر عن هذا الطرح للشيخ روحاني، فإنّا على ثقة بعقلانية أهل السياسة من محافظين وإصلاحيين لما يجب أن يقوموا به وبما يعكس حيوية الحياة السياسية في إيران التي لا بد من مرونتها في هذه الظروف وبخاصة على الصعيد الداخلي، مع التركيز على نقطة الضعف وهي إيجاد الحلول للمشكلات الاقتصادية بشكل مدروس وسريع.
باعتقادي إن الخوف على الجمهورية الإسلامية ليس من الخارج فالشعب موحد أمام أي عدوان خارجي وهذا ما لاحظناه في الحرب على إيران مؤخراً، وإنما الخوف قد يكون من بعض الأساليب السياسية الحادة بين الأفرقاء بما يخلخل الأسس التي تحكم الجميع، بل لا بد من وجود ضوابط لحركية الحياة السياسية العامة والحرة بما يخدم الواقع وألا يسيء إلى الثوابت.
فالسياسة الإيرانية سواء الإصلاحية أو المحافظة من الضرورة اليوم أن تبقى مضبوطة بإطار الرشد السياسي لدى الجميع.
في المقابل مطلوب من الشعب الإيراني التكاتف والتضامن الوطني والتحلي بالوعي والحكمة على الرغم من كل الضغوطات، لأن الشعب عليه مسؤولية كبيرة اليوم في حفظ بلده ومصالحه، فمخططات ترويض الشعوب وإخضاعها لن تتوقف يوماً وتظل الكلمة الفصل هي للشعوب المتحررة والواعية كما قال المرجع السيد محمد حسين فضل الله : “.. السباق محمومٌ بين محاولات إخضاع الأمّة ومحاولات التمرّد على ذلك، والكلمة الفصل ستكون للشّعوب وحركات الوعي والتحرّر في نهاية المطاف”.
ثمة نسيج ثقافي وعقائدي وحضاري متشعب بحيث تمازجت الثورة مع مفاهيم القومية والكرامة الإسلامية والعداء للغرب، هذا النسيج الذي لا بد من تقويمه عبر صوغ العقد الاجتماعي الفريد والغني بتجربته بشكل يتكيف مع كل الظروف بوجه خاص إذا ما نظرنا إلى واقع الشرق الأوسط المتشظي في كل شؤونه والذي تتنازعه السياسات الدولية ويعيش الهشاشة وفقدان التوازن والرؤى .
من ها المنطلق فإن الحفاظ على الوحدة الوطنية الإيرانية وتعزيز المناعة الداخلية ضرورة ليس لإيران فحسب، بل ضرورة للعالم العربي والإسلامي لخلق التوازن الدولي والإقليمي أمام السياسة العدوانية الإسرائيلية وأمام ما يسمى بحلم إسرائيل الكبرى التي لا مكان فيها لشرق أوسط عربي وإسلامي، بل هيمنة مطلقة لإسرائيل بغطاء أميركي على كل مقدرات الشعوب بما يهدد هويتها ومصيرها .
من نافلة القول إن مصطلح جيش الدفاع الإسرائيلي الذي كنا نسمع به كأبناء منطقة حدودية ويسمعه العالم كله، هل هو جيش دفاع حقاً ؟
سقطت هذه الدعاية الزائفة فها هو جيش هجوم وعدوان – كان وما يزال – لا يستثني منطقة في منطقتنا إلا ويعتدي عليها.
لا مناص من التنسيق والتعاون والانفتاح بين إيران والبلدان العربية المؤثرة والتحلي بالمرونة والحكمة في كل الملفات الضاغطة بما يبرّد الأجواء ويمنع الانفجار الذي يحرق بناره الناس الذين يدفعون فاتورة ضخمة من أنفسهم وأرزاقهم وأمنهم وأمانهم.
فالحذر من انقلاب إيران على ذاتها من خلال الفرقة والتباعد والاغتراب عن المبادىء فهذا ليس وقت الانقلاب، بل وقت إبراز الوحدة والمنعة الوطنية.
حذارِ أيضاً من مشاريع التقسيم والعداء في المنطقة التي هي بأمس الحاجة لعلاقات إيرانية وعربية وإسلامية واعية ومتوازنة قادرة على احتواء الأزمات ومواجهة الحملات والمشاريع الشرسة من أجل تفتيت العالم العربي والإسلامي بلا تفرقة ، وهنا تكمن القوة والإشكالية على السواء ! ..
