الشيعة في المغرب والأندلس: قراءةٌ تحليليّة في التاريخ والتقاليد

كتب باسم الموسوي:

تمهيد: كتابان لتصحيح سرديّةٍ راسخة

على مدى عقودٍ طويلة، ظلّ حضور الشيعة في المغرب والأندلس إمّا مُهمَّشًا أو منكورًا في كثيرٍ من الكتابات التاريخية. يأتي عمل جون أندرو مورو في جزأين (التاريخ والتقاليد) ليقترح أطروحةً نقيضة مدعّمة بأدواتٍ مصدرية متنوّعة: نصوص عربية كلاسيكية، وأدب أَلْخَميادو موريسكي (إسبانيةٌ مكتوبةٌ بالحرف العربي)، وشواهد اجتماعية ثقافية، ومسارات هجرةٍ علوية، وأثرًا سياسيًا لدولٍ وطرائق صوفية. بذلك لا يكتفي المؤلف بإثبات الحضور، بل يعيد تركيب خرائط النفوذ والذاكرة والطقس واللغة على تخوم الغرب الإسلامي والأندلس.

أولًا: المسارات التاريخية للحضور الشيعي

يبدأ مورو من تتبّع قنوات الانتقال: وجودُ الأئمّة و«أصحابهم» و«التابعين» في المغرب، ثمّ هجراتُ الأشراف وتوطّنهم، واتصال ذلك بالبنى القبلية الأمازيغية والعربية، وبروزُ دويلاتٍ وكياناتٍ ذات نزعاتٍ شيعيّة (الأدارسة، الفاطميون، الزيريون…)، فضلًا عن انتفاضاتٍ وثوراتٍ كان لها منزعُ ولاءٍ لأهل البيت في سياقاتٍ مختلفة. هذا الإطار البنيوي يجعل الحضورَ الشيعيَّ ظاهرةً تاريخية متعدّدة الطبقات: نسبًا (الشرف)، ومذهبًا (الفقه والكلام)، وسياسةً (الدولة والثورة)، وروحًا (التصوّف والسلاسل)، وأدبًا (المرويات والوصايا).

الهجرات العلوية والقبائل: يتتبّع المؤلف أفرعًا نسبيةً متعددة لذرية علي وفاطمة في مدنٍ مغربية وأندلسية، ويربطها بحواضن قبَلية أمازيغية (زناتة، صنهاجة، كتامة، إلخ) وبالعرب (قيس، أزد، هَمدان، يمن…)؛ وهو ربطٌ يفسّر دوافع التشيّع وأوعية انتشاره، لا بوصفه «استيرادًا» عقائديًا فحسب، بل كجزءٍ من بناء التحالفات والشرعيات المحلية.

الدول والكيانات: يقدّم عرضًا تحليليًا لدولٍ ذات منزعٍ شيعي أو وشيجةٍ شيعية (الأدارسة والفاطميون وغيرهم) وكيف انعكست أيديولوجيًّا وفقهيًّا وعمرانيًّا على المجال المغربي، مع ارتداداتٍ فكريةٍ وروحيةٍ وصلت الأندلس عبر التجارة والرحلة والعلم.

ثانيًا: الفقه والسياسة—المالكية بين «الفرض» والتعدّد

يراجع مورو مقولة «المالكيةُ كانت الدينَ الرسميّ الوحيد للأندلس»؛ فيميّز بين فرضِ مذهبٍ رسمي بقرارٍ سلطاني أموي وبين واقعٍ اجتماعيّ دينيّ بقي متعدّدَ المذاهب (أوزاعي، شافعي، حنفي، بعض الحنبلي، مع أثرٍ جعفريّ وزيديّ وإسماعيليّ في تخومٍ ومراحل). بهذا التفكيك لا «يشيطن» المالكية ولا «يؤسطُر» التسامح، بل يردّ المسألة إلى سياسات التدبير الديني: الإلزامُ السياسيّ ومقاومته، وأجهزةُ القمع المالكي في فتراتٍ بعينها بوصفها أداةَ دولةٍ لا «ماهيةَ مذهب».

تاريخيًّا، يُظهر الكتاب كيف أن فرضَ المالكيّة لم يقضِ على التنوع، وأن لغةَ «الهرطقة» و«الأرثوذكسية» كانت—غالبًا—لغةَ هيمنةٍ سياسية، لا معيارًا علميًّا قاطعًا، وأن الخطابات النافية للتشيّع في الأندلس تغفل هذا التعقيد البنيوي.

ثالثًا: السلاسل الصوفية والحبل العلوي

يُثبت مورو وجودَ حلقات وصلٍ بين كبرى الطرق الصوفية في المجال المغاربي وشجرة أهل البيت، من الشاذلية والقادرية إلى النقشبندية والخلوتية والبكتاشية وغيرها. هذا «النَّسَبُ الروحي» لا يعني تطابقًا مذهبيًا، لكنه يكشف عن سلطةٍ رمزية لأهل البيت في تكوين التجربة الروحية المغاربية، ويشرح كيف ظلّت المرجعية العلوية قادرةً على إنتاج المعنى والشرعية والكرامة في المجتمعات المحلية، بصرف النظر عن المذهب الفقهي الرسمي.

رابعًا: الثورات و«السياسة الدنيا»

يعرض الكتاب طيفًا من الانتفاضات والتمرّدات ذات الأصداء الشيعية أو المتحالفة معها—في المغرب والأندلس—من ثورة ميسرة المتغري إلى حركاتٍ محلية وأخرى عابرةٍ للأقاليم. قيمة هذا العرض ليست «إحصائية»، بل تفسيرية: توضيحُ كيف تُصبح العدالةُ والاحتجاج جزءًا من لغة الولاء لأهل البيت، وكيف تخاطب سرديةُ المظلومية الحسَّ الأخلاقيّ الشعبيّ، بما يُنتج «سياسة دنيا» من تحتٍ تناغمت أحيانًا مع مصالح نخبوية وأحيانًا تصادمت.

خامسًا: الموريسكيون—حين تصيرُ الذاكرةُ عقيدة

في الجزء الثاني ينتقل مورو إلى حقل النصوص: أَدَبُ الألخَميادو الموريسكي، وهو كنزٌ أُغفِل طويلًا بسبب ازدواجيته (لغةٌ إسبانية بحرفٍ عربي). هنا يقدّم المؤلف ترجمةً إنجليزيةً أولى لباقةٍ من النصوص ذات الميل الشيعي أو الإلهام الشيعي، كالأدعية والأحاديث والوصايا، وتُرى فيها كيفية اشتغال الذاكرة الشيعية (المظلومية/الأمل/الغيبة) داخل مجتمعٍ مضطهدٍ يوشك أن يُقتلع (الموريسكيين)، وكيف تحوّلت الاستغاثة بـ«الإمام الخفي» إلى لغةِ أملٍ سياسيٍّ ولاهوتيٍّ في آن.

هذه النصوص، بما فيها صيغُ التوسّل و«دعاء النور» ووصايا النبي لعلي، تُظهر أن التشيّع لم يكن «نظريةً» في الكتب فحسب، بل اقتصادَ وجدانٍ وطقسٍ يتكيّف مع شرط الاضطهاد والقسر والتنصير القسري—اقتصادٌ ينسج العزاء والقوّة الرمزية في مواجهة المصير التراجيدي للموريسكيين.

سادسًا: التقاليد الحديثية—من «سفينة نوح» إلى «الحسين مني»

يُفرد المؤلف قراءاتٍ لنصوصٍ حديثية متداولة في المتون السنية والشيعية على السواء، كما وُجدت في مخطوطاتٍ موريسكية، مثل حديث: «أهلُ بيتي كسفينة نوح؛ من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق»—مع توثيق طرقه عند محدّثين سُنّةٍ وشِيعة وشرح دلالته كـ«تاميمٍ» رمزيٍّ للنجاة والاقتداء. هذه المرويات—إلى جانب نصوصٍ في فضائل الحسن والحسين وزين العابدين والأئمة حتى المهدي—تُستخدم هنا لا لإثبات «صِحّة» الحديث بحدّ ذاته، بل لإظهار مرجعية الأهل البيت في المخيال الموريسكي وكونها لغةَ خلاصٍ واستقامةٍ للهوية تحت القمع.

كما تُبرز «وصايا النبي لعلي» في نسخٍ موريسكيةٍ دلالةَ الإمامة كأخلاقٍ وعملٍ وسلوك، لا مجردَ شعارٍ سياسي. والجامعُ في مجمل هذه الموادّ أنّها تُعيد بناء فقه النجاة: ما الذي يصنع مسلماً مستقيمًا ومجتمعًا متماسكًا حين تصبح الشريعةُ ممارسةً سريّةً ولغةً مموّهة؟

سابعًا: الآثار والبقايا—عمارةٌ وأسماءٌ وممارسات

لا يقف مورو عند النصوص، بل يلاحق «بقايا» التشيّع في تفاصيلَ ماديةٍ ولغوية: شواهدُ عمارةٍ ومقابر، أمثالٌ وتعابيرُ دارجة، أسماءُ أشخاصٍ ومناطق، ممارساتٌ شعبيةٌ ودعائية، وانعكاساتٌ لغوية في ذاكرة المدن والقرى. هذه الفتات—إذا نُسجت معًا—تعطي صورةَ حضورٍ طويل الأمد، لا «بقعةَ زيت» عابرة.

ثامنًا: منهجٌ جامع—لماذا ينجح وأين يُنتقد؟

قوةُ أطروحة مورو في تعدّد طبقات الدليل: تاريخٌ سياسي، أنسابٌ وهجرات، فقهٌ ومذاهب، تصوّفٌ وسلاسل، أدبٌ موريسكي، مادّةٌ أثرية-لغوية. هذه الشبكة تُضعف السرديات الاختزالية التي حصرت الأندلسَ في صورةٍ سنّيةٍ مالكيةٍ صمّاء. في المقابل، تبقى مواطنُ للنقاش العلمي: مدى تمثيل النصوص الموريسكية لمجمل الموريسكيين، حدودُ التشيّع—هل هو ولاءٌ رمزيٌّ لأهل البيت أم التزامٌ مذهبيٌّ كامل؟—وكيف نُميّز بين التشيّع الثقافي والمذهب العقدي في بيئاتٍ قهريةٍ تفرض التكتّم والتقيّة؟ إلا أنّ المؤلف نفسه يُصرّح أنّه ينقل ما «قيل» وما «تُداول»، لا يحكم بصحة جميع المرويات، وهو تحفّظٌ منهجي مهمّ.

تاسعًا: الدلالات الراهنة—ذاكرةٌ تُستعاد لا «أيديولوجيا» تُسقط

في خاتمة الجزء التاريخي، يرصد مورو مظاهر «بعثٍ شيعيّ» معاصرٍ في بلدان المغرب، لكنّه—وهنا أهمية القراءة النقدية—لا يقترح تليولوجيا (حُتميّة تاريخية) تربط الماضي بالحاضر ربطًا آليًا؛ بل يشير إلى أنّ استعادة الذاكرة تعدّل معاني الانتماء والهويّة والقداسة، وتفتح نقاشًا عن تعدّد الإسلام المغربي بعيدًا عن قوالب الإطلاق والتعميم.

خاتمة: نحو سرديةٍ مُعقّدةٍ مُنصفة

ما ينجزهُ مورو ليس «إثبات وجودٍ» فحسب، بل تأريخُ بنيةٍ دينية-اجتماعية تداخَل فيها المذهبُ والسلطةُ والنسَبُ والروحُ والنصّ. يحاجج بأنّ الأندلس والمغرب كانا—ولا يزالان—مجالين للتعدّد داخل الإسلام، وأنّ أهلَ البيت، بما هم رمزٌ أخلاقيّ وروحيّ وسياسيّ، ظلّوا حاضرين في الوجدان واللغة والطقس، سواءً داخل مذهبٍ مُعلَن أو ممارسةٍ مُضمَرة. بهذا المعنى، يقدّم الكتابان تصحيحًا باردًا لحرارة السّجال: السرديةُ الوحيدةُ فقيرةٌ بالضرورة؛ والتاريخُ، مثله مثل الذاكرة، لا يُقرأ بخطٍ واحد.

—المراجع المعتمدة في هذا العرض:

John Andrew Morrow, Shi‘ism in the Maghrib and al-Andalus, Volume One: History (Cambridge Scholars, 2021).

John Andrew Morrow, Shi‘ism in the Maghrib and al-Andalus, Volume Two: Traditions (Cambridge Scholars, 2020).

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com