
بقلم: الدكتور أسامة توفيق مشيمش
في لحظة دقيقة من تاريخ لبنان، يبدو أن بعض المفاهيم الوطنية قد بدأت تتعرض للتشويش، حتى أصبحت مواقف كبرى كالمقاومة تُطرح للنقاش من زوايا لا تخلو من الحساسية والانقسام. هناك من يُقدّم قراءته للأحداث من موقعٍ يعتبر أن سلاح المقاومة لم يعد ضرورة، فيما يرى آخرون أن هذا السلاح ما زال يشكّل صمّام أمان في ظل التهديدات المتصاعدة.
التباين في الآراء ليس جديدًا في لبنان، لكنه اليوم يكتسب طابعًا أكثر حدة، خاصة حين يُطرح خطاب يُوحي بأن المقاومة لم تعد جزءًا من النسيج الوطني، بل عبء على الدولة أو تهديدٌ لاستقرارها. بل وصل الأمر إلى مستوى تداول سيناريوهات غير واقعية، كالحديث عن ترحيل بيئة المقاومة إلى الخارج، وتحديدًا إلى العراق، وهو طرح لا يُخدم فكرة السلم الأهلي ولا يعكس سوى توترًا سياسيًا مقلقًا.
فما هو موقف المقاومة؟ وكيف سيكون خطابها في هذه المرحلة؟
من المؤكد أن المقاومة، في وجه هذا الخطاب، ستُجدد تمسّكها بثوابتها. فهي لم تُقدّم نفسها يومًا كبديل للدولة، بل كعنصر دعم في معادلة حماية السيادة. وشعارها التاريخي “المسلة لا المذلة”، هو تعبير عن تمسكها بالكرامة الوطنية، لا دعوة للمواجهة أو الانقسام.
الشيخ نعيم قاسم: سلاح المقاومة ضرورة في مواجهة التهديدات
في هذا السياق، جاء موقف الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، ليؤكد على أن المقاومة ليست عبئًا، بل خيارٌ وطني لحماية لبنان. وفي تصريح سابق له، شدد على أن “من يُطالب بسحب سلاح المقاومة ينفذ أجندات خارجية”، معتبرًا أن “لبنان بدون مقاومة لن يكون له حياة”.
هذا الموقف يعكس رؤية فئة كبيرة من اللبنانيين، خصوصًا في ظل غياب مظلة حماية إقليمية واضحة للبنان، وتكرار التهديدات الإسرائيلية المباشرة. لكنه في الوقت نفسه يُطرح ضمن نقاش وطني مشروع، حول كيفية دمج قدرات المقاومة في استراتيجية دفاعية وطنية شاملة.
الرئيس نبيه بري: ضمانة وطنية وداعم لثلاثية القوة
من جانبه، يُعتبر دولة الرئيس نبيه بري أحد أبرز الداعمين لمعادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، وهو لا يُخفي في مواقفه وتصريحاته إيمانه بدور المقاومة في حماية لبنان، إلى جانب المؤسسات الشرعية.
الرئيس بري، الذي لطالما لعب دورًا توفيقيًا بين الأفرقاء، يكرّر أن “من دون المقاومة لا سيادة، ومن دون السيادة لا دولة”، في دعوة واضحة للجمع بين الحفاظ على المقاومة وتعزيز دور الدولة.
بين شرعية الدولة ودور المقاومة… لا بد من توازن
على المقلب الآخر، هناك من يؤمن بأن حصرية السلاح بيد الدولة هي حجر الزاوية في أي مشروع إصلاح سياسي وأمني. وهي وجهة نظر لها منطلقاتها ومبرراتها، خاصة في ظل الحاجة إلى بناء مؤسسات قوية وموحدة.
لكن الخطورة تكمن في أن تتحوّل هذه المطالب إلى مطالب إقصائية أو مستفزة، خصوصًا حين يتم تصوير المقاومة وبيئتها وكأنها خارج السياق الوطني. إن إدارة هذا التوازن بين شرعية الدولة وشرعية المقاومة، هي مسؤولية وطنية لا تُحل بالتصريحات النارية أو التحدي المتبادل.
مشروع “إسرائيل الكبرى”… هواجس مشروعة تحتاج إلى حوار
ضمن هذه التجاذبات، تبرز هواجس حقيقية لدى جزء من اللبنانيين حول ما يُعرف بـ”المشروع الإبراهيمي”، الذي يعتبره البعض إطارًا إقليميًا لتوسيع النفوذ الإسرائيلي عبر أدوات اقتصادية وسياسية وثقافية.
الاعتراض على هذا المشروع ليس بالضرورة موقفًا عدائيًا ضد دول المنطقة، لكنه تعبير عن قلق مشروع من فقدان هوية لبنان ودوره في محيطه، خصوصًا إذا ما تم التعامل معه كأرض فراغ استراتيجي لا مقاومة فيها ولا موقف.
خاتمة: وحدة اللبنانيين فوق كل اعتبار
في النهاية، لا يمكن حماية لبنان من دون اتفاق اللبنانيين على القواسم الوطنية الكبرى. المقاومة، بالنسبة لكثيرين، هي جزء من هذه القواسم، لكن تعزيز دور الدولة ومؤسساتها هو أيضًا ضرورة لا يمكن تجاهلها.
الأهم أن تبقى اللغة الوطنية فوق الانفعال، وأن يُعاد توجيه النقاش من دائرة التخوين والتصعيد، إلى مساحة من الحوار المسؤول الذي يُحافظ على ثوابت لبنان، ويُعيد ترتيب أولوياته في وجه التحديات الداخلية والخارجية.
المسلة لا المذلة… شعارٌ يُعبّر عن كرامة وطن، وليس عنوانًا للانقسام.