عينان لا تنحنيان.. صمود البرغوثي في مواجهة بن غفير

بقلم :هيسم شملوني

في زنزانة ضيقة، تتقاطع فيها الجدران مع صدى آلاف الذكريات، وقف مروان البرغوثي، جسده منهك، لكن روحه كانت متوهجة كالنار في صمت الليل. كل نفس يخرجه كان يحمل أصوات الأرض الفلسطينية، رائحة التراب، همس الأشجار، وصدى صرخات الشهداء الذين مضوا قبل عقود.

دخل بن غفير، خطواته تصرخ غروراً، وكأنه يريد أن يمحو التاريخ من الجدران، أن يضغط على الصمت ليصبح خوفاً. لكنه لم يعرف أن كل شيء في هذه الزنزانة يشهد على الصمود: الجدران، السقف، حتى الهواء نفسه محمّل بذاكرة وطن.

اقترب السجان من البرغوثي، مبتسماً ابتسامة خبيثة، محاولاً أن يزرع الهلع: “أسمعني جيداً، كل تحرك منك، كل كلمة، سنجعلها ثمناً غالياً.”

كأن صوت البرغوثي يرد رغم الهمس، كان كالرعد في الصحراء: “أنت تعتقد أن جسدي هنا، لكن روحي هناك، مع كل فلسطيني لم يركع بعد… كل حلم لم يُقتل بعد.”

في اللحظة نفسها، بدأت جدران الزنزانة تتنفس معه، وكأنها تحمل صوته بعيداً، تهمس: “لا تستسلم… لا تخف… الإرادة أقوى من الحديد.”

حتى الظلال، الممتدة على الأرض الباردة، بدت وكأنها تتشكل على شكل وجوه مناضلين، يقفون خلفه، يهمسون بصمت: “أنت صمودنا، وقلبنا لا يلين.”

رفع بن غفير صوته مرة أخرى، محاولاً استعادة السيطرة: “الوحدة هنا ستكسر روحك، لا أحد يسمعك.”

ابتسم البرغوثي، وابتسامته كانت خيط ضوء في الظلام وصوته الداخلي يقول: “الوحدة هنا تعلمني شيئاً أكبر… أن الحرية ليست صراخاً، بل صمتٌ صادق، صمتٌ يفيض بالثبات، صمتٌ يهزّ الظلم من جذوره.”

في تلك الغرفة، لم يكن الحديث بين رجلين، بل بين إرادتين: إرادة الظلم، وإرادة الحرية.

وفي لحظة، بدا أن الزنزانة نفسها تتسع، تتحول إلى مساحة زمنية تتداخل فيها جميع الذكريات الفلسطينية: رائحة الزيتون في قرانا، ضحكات الأطفال في المخيمات، صرخات الثورة في شوارع القدس والمدن الفلسطينية، وهتافات كل مناضل. كل شيء هنا أصبح حيّاً، كل شيء شاهد على الصمود.

حين خرج بن غفير، بدا ثقيل الخطوة، وكأن التاريخ كله قد صفعه بصمتٍ واحد، شعور لا يمكن أن يختفي، قوة لا يمكن أن تُمحى.

أما مروان، فظل واقفاً، جسده هش، لكنه كان مركز الكون في تلك اللحظة، قلب كل فلسطين النابض، صدى صمود أجيال لا تعرف الخنوع.

حين غادر الوزير والمصور، تركوا خلفهم أكثر من مجرد رجل في زنزانة. تركوا مشهداً حياً لمقاومة رمزية، صمتاً يعلو على أي صراخ، جسداً منهكاً يتحدث عن تاريخ طويل من النضال، وعينين تنظران إلى المستقبل بثقة. الزنزانة، بكل ضيقها واختناقها، أصبحت شاهدة على درس خالد: إرادة الإنسان الصادق في كرامته أقوى من أي تهديد، وأشد وهجاً من أي صخب.

وحتى بعد أن خفت خطوات المغادرين، بقي الصدى: صدى إرادة لم تُكسر، صدى عينين تحملان فلسطين كلها، صدى رسالة واضحة لكل فلسطيني ولكل من يسعى لإذلاله: الكرامة الحقيقية لا تأتي من القوة الظاهرة، بل من صمت عميق، ونظرة ثابتة، وإرادة لا تلين.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com