
بقلم: د. أسامة توفيق مشيمش
لا يمكن فصل خطاب رئيس الجمهورية جوزيف عون الأخير عن السياق السياسي الحاد الذي تمر به البلاد، حيث تتشابك الخيوط الإقليمية والدولية في مشهد لبناني يتّسم بالتعقيد والانقسام. وبعيدًا عن العناوين البرّاقة التي حملها خطابه، فإن التمحيص في مضامينه يكشف عن مغالطات فكرية وسياسية لا يمكن تجاهلها، خصوصًا في ظل التحديات المصيرية التي يواجهها لبنان.
أولى المغالطات تتمثل في تصريح الرئيس بأن “اللغة التي سمعها لبنان من بعض المسؤولين الإيرانيين غير مساعدة”. وهنا تُطرح علامات استفهام حول هذا التوصيف الانتقائي، لا سيما أنه تجاهل تمامًا تصريحات خطيرة أدلى بها توم برّاك، والتي هدّد فيها بوجودية لبنان ما لم يُحلّ موضوع سلاح المقاومة. لماذا لم يرد الرئيس على هذه التصريحات التي صدرت من طرف غربي معروف بتدخله الدائم في شؤون لبنان؟ يبدو أن الانتقائية في الردود تعبّر عن انحياز مبطّن، وتسقط عن الرئيس صفة “الضامن لكل اللبنانيين”.
في تصريح آخر، شدّد الرئيس على أن “الصداقة بين لبنان وإيران لا يجب أن تمر عبر طائفة واحدة”. وهنا تكمن مغالطة مزدوجة: أولًا، الدولة اللبنانية رفضت بشكل واضح عروضًا إيرانية للمساعدة في مجالات حيوية مثل الكهرباء وإعادة الإعمار، لأسباب ظاهرها سيادي وباطنها سياسي بامتياز. ثانيًا، تمّ اتخاذ قرار رسمي بمنع هبوط الطائرات الإيرانية في مطار بيروت في لحظات حرجة. فكيف يمكن الحديث عن شراكة متوازنة بينما تُقابل عروض الدعم بسياسات المنع والإقصاء؟ أليست هذه مقاربة طائفية بحدّ ذاتها تحت غطاء “المصلحة الوطنية”؟
أما حديث الرئيس عن مسؤولية الدولة اللبنانية وقواها المسلحة في حماية المواطنين، فهو بدوره يتجاهل واقعًا دامغًا: أكثر من 5000 اعتداء إسرائيلي موثّق منذ العام 2006، ولا تزال الدولة حتى اليوم عاجزة عن اتخاذ أي خطوة ردعية. بل إن بعض القرى الجنوبية تعرّضت لانتهاكات مباشرة واحتلال مؤقّت دون أن يحرّك أحد ساكنًا. فهل من المقبول إذًا تحميل المقاومة وحدها عبء الحماية، بينما تتنصّل الدولة من واجباتها الدستورية؟
ولعلّ ما يفاقم خطورة هذا النهج الرسمي المتغاضي، هو تجاهله المطلق للخطاب الأخير لرئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، الذي أعاد فيه إحياء فكرة “إسرائيل الكبرى”، وتحدّث صراحةً عن إمكان ضم جنوب لبنان في حال تصاعدت العمليات الحدودية. هذه التصريحات، التي تتجاوز حدود التحريض إلى التهديد الفعلي، تُعبّر عن أطماع إسرائيلية تاريخية لم تغب عن عقل المؤسسة الأمنية والسياسية في تل أبيب. والأخطر من ذلك، أنها تفتح شهية خصوم المقاومة في الداخل اللبناني، ممن يرون في تحجيم المقاومة تمهيدًا طبيعيًا لفرض تسويات ترضي إسرائيل، ولو على حساب الأرض والسيادة والكرامة الوطنية.
تصريح آخر مفاده رفض التدخلات الخارجية، وهو موقف مبدئي يُحترم نظريًا، لكنه سرعان ما ينهار أمام معطى سياسي لا يمكن إنكاره: وصول جوزيف عون نفسه إلى سدة الرئاسة كان ثمرة توافقات إقليمية ودولية لا تخفى على أحد. فهل يجوز أن يندّد الرئيس بالتدخل الخارجي، وهو من أبرز المستفيدين منه؟ هذه مغالطة جوهرية تمسّ بمصداقية الموقع الرئاسي.
وأخيرًا، يُعلن الرئيس رفضه القاطع لـ”الاستقواء بالخارج”، معتبرًا أنه سبب الانقسامات الداخلية. إلا أن الخطاب يغضّ الطرف عن قوى داخلية بارزة، مثل حزب القوات اللبنانية وغيره، التي لا تخفي علاقاتها الوطيدة بجهات خارجية كإسرائيل والسعودية والولايات المتحدة، وتستثمر هذه العلاقات في مواجهات سياسية مباشرة مع جمهور المقاومة. تجاهل هذه الحقيقة يُسقط عن خطاب الرئيس حياديته ويدفع إلى التشكيك في جدية مواقفه.
وهنا لا بد من التوقف عند حالة الاستياء العارمة التي تسود بيئة المقاومة والطائفة الشيعية، نتيجة تبنّي رئيس الجمهورية خطابًا يُعيد إنتاج مواقف خصوم المقاومة بطريقة ناعمة، بل ويمنحها غطاءً رئاسيًا باسم “الوحدة الوطنية”. هذا الخطاب لا يعكس حقيقة التوازن الوطني، بل يعمّق الشعور لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن الدولة لا تزال تنظر بعين واحدة إلى المعادلات الداخلية والخارجية، ما يُكرّس القطيعة السياسية والنفسية مع رئاسةٍ يُفترض بها أن تكون صمّام أمان للجميع، لا لجزء دون آخر.
في الختام، يمكن القول إن خطاب رئيس الجمهورية حمل في طياته نبرة تصالحية ظاهرية، لكنّه لم ينجُ من مغالطات فكرية وسياسية متكررة. وما بين الانتقائية في المواقف، والتغاضي عن وقائع دامغة، والتناقض بين المبادئ والممارسات، فإن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد خطاب رئاسي متوازن في شكله، بل موقف وطني جامع يعكس توازنًا حقيقيًا في جوهره، ويضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار فئوي أو خارجي.