
كتب باسم الموسوي
تمهيد: الإطار العام للكتاب
يعد كتاب The Oral and the Written in Early Islam للمستعرب السويسري غريغور شيلر من أهم الدراسات الأكاديمية التي تناولت العلاقة بين الشفوية والكتابة في القرون الإسلامية الأولى، وخاصة في الفترة الممتدة من القرن السابع إلى العاشر الميلادي. يتناول المؤلف المسألة من منظور تاريخي-سوسيولوجي، محاولاً تجاوز الثنائية التي حكمت أغلب النقاشات السابقة: هل كان الإسلام المبكر ثقافة شفوية بحتة، أم أن الكتابة كانت حاضرة منذ البداية بشكل حاسم؟
شيلر يرفض هذا الانقسام الحاد، ويقترح أن الثقافة الإسلامية الأولى كانت بيئة هجينة، حيث لعبت الشفوية والكتابة دورين متكاملين في إنتاج المعرفة الدينية وحفظها وتداولها. وبذلك، فإن أطروحته تمسّ بشكل مباشر الجدل الأكاديمي حول تاريخ النص القرآني، باعتباره النص المركزي في الإسلام والمثال الأوضح على تفاعل الشفوي والمكتوب.
المحور الأول: الرسالة الجوهرية للكتاب
1. نقد النموذج الخطي
تاريخياً، استندت كثير من الدراسات الغربية (خاصة المتأثرة بمدرسة الأنثروبولوجيا الشفوية عند وولتر أونغ وجاك غودي) إلى فرضية أن المجتمعات تمر بمرحلة “شفوية” ثم تنتقل إلى مرحلة “كتابية” بشكل خطي. وبما أن الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت ذات مستوى محدود من الكتابة، فقد رأى بعض المستشرقين أن القرآن لم يتخذ شكله النهائي إلا بعد فترة طويلة من وفاة النبي ﷺ، عندما ترسخت الكتابة وأصبحت وسيلة رئيسية للثقافة.
شيلر يرفض هذه الحتمية، ويؤكد أن المجتمع الإسلامي منذ بداياته عرف تداخلاً عضوياً بين الوسيطين، بحيث لا يمكن الحديث عن “استبدال” الكتابة للشفوية أو العكس، بل عن تفاعل دائم بينهما.
2. مركزية الإسناد
الإسناد – أي سلسلة الرواة الذين نقلوا النص جيلاً عن جيل – هو جوهر الشرعية العلمية في الثقافة الإسلامية. حتى مع وجود نصوص مكتوبة، لم يكن الاعتماد على المخطوطات وحدها كافياً، بل كان لا بد من السماع المباشر من شيخ أو مقرئ يربط المتلقي بسلسلة غير منقطعة تعود إلى المصدر الأول. الكتابة هنا كانت أداة ضبط، لكنها ليست معيار القبول الوحيد.
المحور الثاني: أثر الأطروحة على دراسة تاريخ النص القرآني
1. القرآن كنص هجين (شفوي-كتابي)
في التصور التقليدي الإسلامي، القرآن نزل على النبي ﷺ وحُفظ في صدور الصحابة، وفي الوقت نفسه دُوِّن على الرقاع والعسب واللخاف، ثم جُمِع في مصحف واحد في عهد أبي بكر، وضُبط نهائياً في عهد عثمان.
أما في المدرسة النقدية الغربية، وخاصة مع باحثين مثل جون وانسبرو، فهناك تشكيك في اكتمال النص العثماني في زمن مبكر، واعتبار أن النص مر بعمليات تحرير لاحقة.
أطروحة شيلر تعيد صياغة المسألة: القرآن لم يكن نصاً “شفوياً خالصاً” ولا “كتاباً مكتوباً كاملاً” منذ البداية، بل كان نصاً يتشكل ويُحفظ في دائرة مزدوجة:
• دائرة شفوية تعتمد على الحفظ والتلاوة والإسناد.
• دائرة كتابية تتضمن التدوين الجزئي ثم الجمع الرسمي.
بهذا المعنى، استقرار النص لم يكن نتيجة حدث واحد (مثل الجمع العثماني) بل نتيجة عملية اجتماعية مستمرة يشارك فيها الحفاظ والكتبة والمقرئون.
2. الكتابة كأداة مساعدة لا بديل
من منظور شيلر، الكتابة في الإسلام المبكر لعبت دورين:
• التثبيت: منع ضياع النصوص أو نسيانها.
• التقييد: تقليص مساحة الاختلاف في الأداء أو القراءة.
لكن هذه الأدوار لم تلغِ الشفوية، بل عملت معها. النص المكتوب كان بحاجة دائماً إلى “تفعيل” شفوي عبر القراءة المسموعة من شيخ متصل السند. وهذا يفسر كيف بقي للقرآن طبيعة شفوية قوية حتى بعد جمعه.
المحور الثالث: القراءات القرآنية كنموذج للتفاعل
1. التعدد المقبول
أحد أكبر ألغاز تاريخ النص القرآني هو استمرار القراءات السبع والعشر، وهي اختلافات في النطق أو الأداء أو حتى بعض الصيغ اللفظية، لكنها جميعاً مقبولة ضمن الإطار الإسلامي. هذا الواقع يصبح مفهوماً إذا اعتبرنا – كما يفعل شيلر – أن الشفوية سمحت بمرونة أكبر، بينما الكتابة ضبطت هذه المرونة وحددتها.
2. دور الشفوية في الحفظ
القراءات كانت تُتناقل عبر الإجازة والسماع، لا عبر النصوص المكتوبة فقط. حتى المصاحف العثمانية، التي كُتبت بلا نقط أو حركات، كانت تعتمد على القارئ المتمرس ليؤدي النص وفق القراءة المعتمدة. وهنا يظهر بوضوح أن الكتابة لم تكن وسيلة نقل مستقلة، بل كانت جزءاً من نظام شفوي-كتابي متكامل.
المحور الرابع: إعادة تعريف “استقرار النص”
1. من “متى” إلى “كيف”
معظم النقاشات الأكاديمية تطرح سؤال “متى استقر النص القرآني؟” – هل في عهد عثمان، أم لاحقاً؟
شيلر يحوّل السؤال إلى “كيف استقر النص القرآني؟”، والجواب في أطروحته هو: من خلال آلية مزدوجة تضمنها:
• شبكة من الحفاظ والمقرئين (الشفوي).
• نسخ مكتوبة متداولة ومعتمدة (الكتابي).
2. النتائج المعرفية
هذا الفهم يفتح الباب أمام مقاربة جديدة، حيث لا ينظر إلى أي من الوسيطين على أنه أصل أو مرجع مطلق، بل إلى التكامل المؤسسي بينهما باعتباره الضامن الأساسي لثبات النص.
المحور الخامس: الأثر على الدراسات الغربية
1. تجاوز الثنائية التقليدية
أطروحة شيلر توفر بديلاً ثالثاً بين الرواية الإسلامية التقليدية والنقد الجذري الغربي:
• هي تقر بوجود تدوين مبكر للنص.
• لكنها ترى أن التدوين لم يكن نهاية المطاف بل جزءاً من منظومة ضبط أوسع.
2. أثرها على منهجية البحث
في مجال النقد النصي (Textual Criticism)، تدعو الأطروحة إلى الحذر من فرض نماذج أوروبية عن “تاريخ الكتاب” على الحالة الإسلامية. ففي أوروبا، أدى انتشار الطباعة مثلاً إلى قطيعة حاسمة مع الشفوية، بينما في العالم الإسلامي استمرت الشفوية قروناً بعد شيوع الكتابة.
المحور السادس: الأثر على النقاش الإسلامي المعاصر
1. تعزيز الرواية التقليدية مع تحديث الإطار النظري
في الخطاب الإسلامي، تعطي أطروحة شيلر دعماً علمياً لفكرة أن القرآن كان محفوظاً ومكتوباً منذ زمن النبي ﷺ، مع الاعتراف بأن عملية الضبط استمرت زمنياً عبر التفاعل بين الذاكرة والنص المكتوب.
2. تفسير بقاء القراءات
تساعد هذه الرؤية على تفسير سبب بقاء القراءات القرآنية في إطار مقبول، دون اعتبارها تحريفاً، لأنها جزء من نظام شفوي-كتابي متكامل يقره الضبط العلمي.
المحور السابع: أمثلة مقارنة
شيلر يشير – وإن كان بشكل غير مباشر – إلى أن هذا النمط من التفاعل بين الشفوي والمكتوب موجود في تقاليد دينية أخرى:
• في اليهودية، “التوراة الشفوية” و”التوراة المكتوبة” تعايشتا قروناً.
• في المسيحية المبكرة، الأناجيل كانت تُقرأ وتُتناقل شفوياً حتى بعد تدوينها.
لكن في الحالة القرآنية، هذا التعايش أخذ طابعاً مؤسسياً صارماً من خلال الإسناد، وهو ما يميز الإسلام عن التجارب الأخرى.
المحور الثامن: دلالات ختامية
أطروحة شيلر لا تعني أن القرآن تغيّر أو أُعيدت صياغته بعد الجمع العثماني، بل تعني أن:
• الجمع كان مرحلة مركزية ضمن عملية أطول.
• الكتابة لم تكن أداة نهائية بل جزءاً من شبكة ضبط.
• الشفوية بقيت معيار الموثوقية حتى في ظل وجود نص مكتوب.
بهذا، تتحول دراسة تاريخ القرآن من البحث عن “النسخة الأولى” إلى دراسة البنية الاجتماعية والثقافية التي حفظت النص، وهي بنية لا تنفصل فيها الذاكرة الحية عن المخطوط المكتوب.
الخلاصة العامة
تقدم أطروحة The Oral and the Written in Early Islam نموذجاً لفهم تاريخ النص القرآني بوصفه حصيلة تفاعل دينامي بين الشفوي والمكتوب، حيث لا يمكن لأي وسيلة أن تُفهم بمعزل عن الأخرى. هذا الفهم:
• يفسر استمرار القراءات.
• يشرح استقرار النص.
• ويقدّم إطاراً بديلاً للجدل الغربي-الإسلامي حول تاريخ القرآن.
المحور التاسع: تفنيد مقولات التحريق وعدم استقرار النص
من أكثر القضايا التي يستغلها النقد الغربي المتشدد – وأحياناً الطروحات الاستشراقية القديمة – هي روايات “تحريق المصاحف” في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، والتي تُقدَّم غالباً كدليل على أن النص القرآني لم يكن مستقراً، وأن ثمة نسخاً متعددة تم القضاء عليها لإخفاء الاختلافات الجوهرية. هذا التأويل للنصوص التاريخية يتجاهل السياق الثقافي والمعرفي للإسلام المبكر، كما يتجاهل آليات التوثيق المزدوجة التي أبرزها شيلر.
1. فهم سياق “التحريق” في إطار الثقافة الشفوية-الكتابية
وفق الرواية الإسلامية المتواترة، أمر عثمان بجمع القرآن على رسم واحد وإرسال نسخ مع قراء معتمدين إلى الأمصار، وأمر بإتلاف ما عدا ذلك من المصاحف الفردية أو الخاصة التي لم تكن مضبوطة على الرسم العثماني.
في ضوء منظور شيلر، هذه الخطوة ليست “إبادة للنصوص” بل عملية توحيد للمستوى الكتابي بما يتوافق مع النقل الشفوي المعتمد. أي أن الهدف لم يكن إخفاء محتوى مخالف، بل إزالة تباينات كتابية قد تربك القارئ، بينما المرجع النهائي بقي – كما كان – التلاوة الشفوية المتصلة بالسند الصحيح.
2. لماذا لم يكن “التحريق” إلغاءً للتنوع المشروع؟
النص القرآني في ذلك العصر كان يُقرأ بقراءات متعددة مقبولة (الأحرف السبعة)، وهذه القراءات لم تُلغَ بجمع عثمان، بل استمرت عبر القراء المعتمدين، وهذا ما يفسر بقاء القراءات العشر لاحقاً. التحريق إذن لم يكن استئصالاً للاختلافات المعتمدة، بل ضبطاً للمستوى الكتابي حتى لا يخرج عن الإطار الذي يضبطه النقل الشفوي. وهذا يتسق مع الفهم الشيلري بأن الكتابة أداة ضبط تابعة، لا مرجعاً أعلى.
3. الرد على مقولة “غياب النص المستقر”
الادعاء بأن النص القرآني لم يستقر إلا بعد قرون يعتمد غالباً على إسقاط تجارب أخرى (مثل تاريخ الكتاب المقدس) على الحالة الإسلامية، متجاهلاً أن الإسلام طور آلية توثيق متميزة.
في نموذج شيلر، استقرار النص كان نتيجة شبكة اجتماعية قوية من الحفاظ والكتبة، بحيث لم يكن ممكناً إدخال تغييرات جوهرية دون أن تُكتشف فوراً من قبل الجماعة العلمية الواسعة المنتشرة في الحواضر الكبرى. فالكتابة هنا كانت محمية بسياج الشفوية، والعكس صحيح، ما يجعل أي فكرة عن “نصوص سرية بديلة” غير واقعية في البنية المعرفية لتلك الفترة.
4. التحريق كدليل على قوة الضبط لا ضعفه
المفارقة أن ما يسميه البعض “تحريقاً” يمكن قراءته – وفق منظور شيلر – على أنه مؤشر على وعي مبكر بأهمية توحيد المرجع الكتابي بما يضمن بقاء الانسجام بين النص المكتوب والتلاوة المسموعة. فالمجتمع الذي يملك نسخة متفقاً عليها كتابياً، ويدعمها نظام شفوي صارم، يحقق أعلى درجات الضبط، وهذا ما يفسر بقاء النص القرآني مستقراً منذ ذلك العصر.
المحور العاشر: تفنيد مقولات “تحريف القرآن”
تثار بين الحين والآخر، في بعض الدراسات الغربية المتشددة أو في الخطابات الطائفية، مقولة أن القرآن قد “حُرّف” أو “نُقص منه” أو “زاد عليه” عبر التاريخ. هذه الدعوى، التي تُستعار أحياناً من نموذج تاريخ نصوص الكتب المقدسة الأخرى، تتجاهل تماماً البنية المؤسسية الفريدة التي ضبطت النص القرآني منذ بدايات الإسلام، كما تتجاهل طبيعة التداخل بين الشفوي والمكتوب التي أبرزها شيلر في تحليله.
1. التحريف مستحيل في البنية الشفوية-الكتابية المزدوجة
وفق منظور شيلر، القرآن لم يكن نصاً مكتوباً يُحفظ في خزانة ثم تُتداول نسخه بين النساخ، بل كان نصاً حيّاً يُتلى في الصلاة اليومية، ويُحفظ في صدور آلاف الحفاظ المنتشرين في أرجاء الدولة الإسلامية، ويُراجع باستمرار مع النصوص المكتوبة المعتمدة.
أي تغيير جوهري – سواء بالزيادة أو النقصان – كان سيُكتشف فوراً من قبل هذه الشبكة الواسعة من القراء والكتبة، لأن التلاوة كانت علنية وجماعية، وليست نشاطاً فردياً معزولاً.
2. طبيعة الاختلافات القائمة: قراءات لا تحريف
الدراسات النقدية التي تتحدث عن “اختلاف النصوص” في القرآن غالباً ما تشير إلى القراءات القرآنية أو اختلافات الرسم الإملائي المبكر (الرسم العثماني). لكن هذه ليست تحريفاً، بل اختلافات أداء معترف بها، محفوظة بسند متصل، ومرتبطة بظروف تنوع اللهجات العربية في عصر النزول.
هذه القراءات جزء من التراث الشفوي المشروع، وليست دليلاً على وجود نصوص بديلة أو متناقضة.
3. غياب الحافز التاريخي للتحريف
في سياق التاريخ الإسلامي المبكر، لم يكن هناك سلطة مركزية قادرة – حتى لو أرادت – على فرض نص محرّف على الأمة بأكملها، لأن سلطة التوثيق لم تكن محتكرة، بل موزعة بين أجيال من الحفاظ والقراء في مختلف الأمصار. بل إن الجمع العثماني نفسه جرى بالتوافق مع كبار الصحابة، مما أعطاه شرعية جماعية من الصعب التشكيك فيها.
4. معيار الإسناد كحارس للنص
أحد أعظم ابتكارات الثقافة الإسلامية هو معيار الإسناد، الذي لا يقتصر على الحديث النبوي، بل يشمل القرآن أيضاً. الإسناد لا يوثّق النص فقط، بل يوثّق طريقة التلقي، مما يعني أن أي نص مكتوب لا يحمل سلسلة نقل شفوية موثوقة يُستبعد فوراً. هذا النظام يمنع إدخال نصوص غريبة أو محرّفة، لأنه يجعل سلطة الاعتماد مشروطة بالمطابقة مع الرواية الشفوية الجماعية.
5. النتيجة: التحريف دعوى بلا سند واقعي
في ضوء أطروحة شيلر، دعوى تحريف القرآن تتهاوى أمام قوة البنية المزدوجة التي حفظت النص: الكتابة الرسمية المنضبطة، والشبكة الشفوية المتصلة. هذه المنظومة جعلت النص القرآني من أكثر النصوص استقراراً عبر التاريخ، وهو ما يفسر أن المخطوطات القرآنية القديمة – مثل مخطوطات صنعاء أو الطوب قابي – تتطابق في جوهرها مع النص المتداول اليوم، رغم مرور أكثر من 14 قرناً.
