من طرق الحرير إلى “ممر ترامب”: التاريخ يعيد صياغة الجغرافيا السياسية

كتب باسم الموسوي:

1. الممرات كصانعة للتاريخ

تُظهر الدراسات الأثرية الحديثة، مثل كتاب ثقافات شينجيانغ القديمة: ملتقى طرق الحرير، أن قلب آسيا لم يكن يوماً منطقة هامشية، بل كان مليئاً بالممرات البرية والجبلية التي شكّلت شرايين للتجارة والهجرة والنفوذ. من ممرات تيان شان ووادي إيلي إلى واحة كاشغر، كانت السيطرة على هذه المعابر تعني التحكم بالاقتصاد والجيوش ومصائر الإمبراطوريات.

واليوم، يجد هذا الإرث صداه في “ممر ترامب للسلام والازدهار الدولي” (TRIPP)، المعروف إعلامياً بـ”ممر زانغزور”، الذي يربط أذربيجان بجمهورية ناخيتشيفان ذاتية الحكم عبر مقاطعة سيونيك الأرمينية، في مشهد يذكّر بدور طرق الحرير في وصل الشرق بالغرب.

2. ما هو ممر زانغزور (ترامب)؟

في 8 آب/أغسطس 2025، وُقّع في البيت الأبيض اتفاق سلام تاريخي بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، بوساطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. نص الاتفاق على إنشاء الممر عبر الأراضي الأرمينية، مع بقاء السيادة لأرمينيا، لكن مع منح الولايات المتحدة حقوق تطوير حصرية لمدة تصل إلى 99 عاماً تشمل الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب والألياف البصرية وغيرها.

3. حزمة السلام الأوسع

تضمّن الاتفاق خطوات لتطبيع العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان على الصعيد الدبلوماسي والاقتصادي والتكنولوجي والأمني، وانسحاب الطرفين من إطار مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. ترامب وصف الاتفاق بأنه “إنجاز تاريخي” في مسار إحلال السلام الإقليمي.

4. ردود الفعل والمواقف الإقليمية
• الولايات المتحدة: عززت حضورها في جنوب القوقاز من خلال السيطرة على الممر، ما يقلّص نفوذ روسيا وإيران.
• إيران: رغم انخراطها الأولي في مسار السلام، عارضت بشدة أي ممر يهدد اتصالها البري بالقوقاز، وحذر علي أكبر ولايتي من احتمال “عرقلة عسكرية” للمشروع.
• روسيا: جرى استبعادها من الاتفاق، وأبدت انزعاجاً، مؤكدة أن الترتيبات الإقليمية يجب أن تشمل القوى المحلية، لا أن تكون حصرية للغرب.
• أرمينيا وأذربيجان: أشادتا بدور ترامب؛ أرمينيا ترى في الاتفاق فرصة لإنهاء العزلة والانفتاح على الأسواق، وأذربيجان ضمنت اتصالاً استراتيجياً مباشراً بناخيتشيفان وتركيا.

5. الأبعاد الجيوسياسية

أ) القوقاز
• تركيا وأذربيجان تحصلان على اتصال بري مباشر عبر أرمينيا، يعزز شراكتهما الاستراتيجية.
• أرمينيا تستعيد موقعها كمحور عبور نحو أوروبا والأسواق العالمية.
• روسيا تخسر ورقة ضغط مهمة في الإقليم.

ب) آسيا الوسطى
• يفتح الممر طرقاً جديدة لنقل الطاقة والبضائع مباشرة إلى الأسواق الغربية، متجاوزاً إيران وروسيا.

ج) الشرق الأوسط والخليج
• ينافس هذا الممر مبادرة الحزام والطريق الصينية والطريق الشمالي الروسي.
• يرفع منسوب التوتر بين تركيا وإيران، ويتيح فرصاً أكبر لحلفاء أنقرة مثل إسرائيل في التمدد نحو آسيا الوسطى.

6. الرابحون والخاسرون

الرابحون: الولايات المتحدة (نفوذ استراتيجي)، أذربيجان وتركيا (اتصال مباشر)، أرمينيا (إعادة إدماج إقليمي)، بعض اقتصادات آسيا الوسطى، الاتحاد الأوروبي (تنويع طرق التجارة والطاقة).
الخاسرون: روسيا (تقلص النفوذ)، إيران (عزلة جيوسياسية أكبر)، مبادرة الحزام والطريق الصينية (منافسة مباشرة)، ومعارضو المشروع في أرمينيا (خشية من تبعات الوضع الخاص للممر).

7. قراءة تاريخية وآفاق مستقبلية

تُظهر تجربة طرق الحرير أن الممرات كانت جسوراً للتكامل مثلما كانت خطوط تماس للنزاع. وكما تغيرت مسارات التجارة والتحالفات في الماضي مع تغيّر موازين القوى، يمكن لـ”ممر ترامب” أن يكون إما رافعة للتكامل الإقليمي أو بؤرة تنافس جديدة. مستقبله يتوقف على إدارة التوازن بين المصالح المتعارضة، وضمان أن يكون منفذاً للتنمية المشتركة لا أداة للتهميش.

8. ما القادم؟
• التنفيذ يتطلب استكمال ترسيم الحدود، وحل ملفات الأسرى، ووضع آليات رقابة فعالة.
• إشراف دولي (أميركي–أوروبي أو عبر الأمم المتحدة) قد يخفف المخاوف السيادية والأمنية.
• التوترات الكامنة قد تشتعل إذا تحركت إيران للعرقلة أو حاولت روسيا استعادة نفوذها.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com