ماذا لوكانت زيارة البطرك متوازنة ؟

كتب محمد عبدالله فضل الله :.

من الأهمية بمكان زيارة رموز دينية إلى المناطق الجنوبية الحدودية منها فليس هذا مستهجناً في العرف والعادة إذا ما راجعنا تاريخياً حجم الزيارات تلك إلى هذه المناطق وإن كانت متفرقة وغير منتظمة للتأكيد على التلاحم بين أبناء تلك المناطق وأن النسيج المسيحي جزء مهم من النسيج العام.

فالموارنة كما الروم الأرثوذكس والكاثوليك والشيعة والسنة وغيرهم شكلوا عبر التاريخ جزء من الهوية المجتمعية لمناطق تشارك أبناؤها الحرمان والإهمال عبر عقود من الزمن .

إن قدر الموارنة والمسيحيين كما المسلمين والشيعة منهم هو أن يتوحدوا ويتضامنوا فليس لهم إلا وحدتهم بعيداً عن كل الارتباطات والرهانات والخطابات، ولطالما شكل جبل عامل لما يحويه من تنوع ثقافي وديني وفكري وسياسي مختبراً اجتماعياً وسياسياً هاماً في تاريخ لبنان القديم والحديث فقد كانت الزيارات واللقاءات الاجتماعية والسياسية بين كل الطوائف مدعاة لهذه الوحدة التي كانت وما تزال مستهدفة من أجل ضربها وضرب النسيج العام من خلالها .

أيام الاضطهاد العثماني زار البطريرك اسطفان الدويهي جبل عامل كما تبعه البطريرك يوسف حبيش ثم زيارة البطريرك إلياس الحويك أيام الانتداب الفرنسي كما زار جبل عامل بطاركة أرثوذكس وصولاً إلى عصرنا الحالي كزيارة البطريرك نصرالله بطرس صفير ثم البطريرك الحالي مار بشارة بطرس الراعي الذي اختتم زيارته الرعوية البارحة إلى علما الشعب.

زيارة الراعي مهمة من كل الجهات حتى لو حصلت في خضم أحداث سياسية مفصلية على مستوى الوطن والمنطقة فالمهم بالنسبة إلى أبناء المنطقة إبقاء صيغة التعايش المشترك وصمود الأهالي محفوظاً من أي اهتزاز يمكن أن يصيبه، فجبل عامل ما يزال يحتضن الموارنة وفي قرى متفرّقة على الرغم من كلّ الكبوات الّتي وصلت إلى حدّ الطّلاق في بعض الأحيان بين الموارنه والشيعة ، هذه الكبوات والتباينات لا نريدها أن تعود أو تُستنهض كونها لا تخدم أحداً سوى الصهاينة .

لطالما تعرض أهل جبل عامل لاضطهادات وظلامات من شتى السلطات المتعاقبة وكان نهوضهم في وجه كل ذلك من أجل الحفاظ على حقوقهم وكراماتهم وأعراضهم ولم يكونوا في يوم من الأيام هم المبادرون إلى حمل السلاح لأجل حمل السلاح ، بل من أجل حماية أنفسهم من العدوان وكانوا ينشدون السلام المفقود ويأنفون من الحروب المتتالية.

من الضرورة أن يقف البطرك الراعي على مسافة واحدة من الجميع لا أن يكون طرفاً في الانقسامات في البلد وأن تكون مبادراته من أجل تعزيز الوحدة والصمود في وجه احتلال يمارس العربدة كل يوم ، فما أجمل لو كانت زيارته رسالة تطمين للجميع وقطعاً للريبة والخوف من الآخر وتنقية الرواسب التاريخية من الوعي العام .

لطالما ضحى أبناء جبل عامل من أجل أن يكون هناك وطن بكل ما للكلمة من معنى وبوجه خاص في وجه العدوان الصهيوني، ودفع ويدفع بخيرة شبابه الذين لهم الفضل الأكبر حتى يبقى من بلدات وضياع تُزار.

إن سلوك طريق الخطاب الناعم والتهدئة هو نوع من تحسس آلام وآمال طائفة بأكملها أصيبت في كل أوضاعها ولديها هواجس كثيرة حول صمودها وبقائها وعلاقتها مع الآخر فهذه كانت اللحظة الزمنية المناسبة لتبديد كل هذه الهواجس.

لقد زار البطرك الراعي خمس بلدات مسيحية من دون زيارة قرى المواجهة ككل من كفر كلا وميس الجبل وحولا وعيترون ومارون الرأس وراميا المجاورة للقوزح وبنت جبيل وعيناثا مع أنه بطرك لبنان وأبناء القرى الحدودية المتاخمة لفلسطين المحتلة كلهم رعاياه فأن تأتي إلى عمق القرى وتزور القرى المسيحية منها دون غيرها -باعتقادي- ليس منسجماً تماماً مع العيش المشترك والوحدة ومع دور بكركي الذي نريده أن يكون تاريخياً في الدفاع عن لبنان وسيادته بوجه خاص في وجه العدو الصهيوني التي ذاقت وتذوق القرى الحدودية من مسيحية ومسلمة الويلات وتبعاتها منه حتى الساعة .

ماذا لو كانت زيارة الراعي منظّمة ومعدّ لها منذ البداية على أن تشمل كل القرى بالتنسيق مع كل الفاعليات والاستماع إلى الناس وصرخاتهم؟

فهذا ما كان يعكس فعلاً التضامن الذي صرّح عنه البطرك نفسه في مواقفه .

الشيعة كما غيرهم هم جزء من هذا الكيان الرسالة ولطالما تضامنوا مع جيرانهم من بقية الطوائق وبوجه خاص المسيحيين هذا التضامن الذي يحتاج إلى سلوك عملي وممارسة لا إلى تجاهل فئة من فئاته عن قصد أو غير قصد.

نعم ، كان من الممكن أن يكون البطرك الراعي السبّاق في التأسيس لمرحلة بعث التوازن في العلاقة الشيعية المارونية وخلق الثقة بين الطرفين ورفع عناصر التوتر والتناقض المسيطرة على محاور التماس في هذه العلاقة التاريخية المتوترة خاصة ما تمر به البلاد من ظروف وأحداث مصيرية ، فالعلاقة الشيعية المارونية لا بد وأن تُراجع وأن تكون صحية ولا يكون ذلك إلا بالثقة والانفتاح على كل الهواجس وقبل كل هذا وذاك الإرادة الجادة في تصحيح مسار العلاقات وتوجيهها بشكل سليم.

فإذا كان من مشكلة فعلية بين الطوائف لا بد لزعمائها الروحيين قبل السياسيين أن يعالجوا جذورها بما يحفظ وجود هذه الطوائف من رياح الغربة عن الذاكرة ومن نار العدوانية التي تتربص بوحدة الكيان والوطن.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com