
بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش
حين وقّعت الجمهورية اللبنانية اتفاق القاهرة عام 1969، لم تكن تسعى فقط إلى ترضية الفصائل الفلسطينية أو المخابرات العربية، بل كانت تُمارس هوايتها المفضلة: إدارة البلاد من فوق رؤوس ناسها، وتحديداً فوق رؤوس أبناء الأطراف المهمّشين تاريخيًا، الذين لطالما اعتُبروا فائضًا بشريًا يُستثمر في الحروب ولا يُستشار في السلم.
لم تُجر الدولة أي استفتاء، لا ورقي ولا حتى شفهي، مع سكان جبل عامل – هذا الجبل الشامخ الذي قاوم الاستعمار الفرنسي كما قاوم قبله العثمانيين، ثم وجد نفسه يُرهن في اتفاقية غامضة، صيغت بروح بيروتية مركزية مارونية–سنية، تُهدي الجنوب للفصائل الفلسطينية لتُقاتل “من هناك” نيابة عن العرب الذين لم يتفقوا على شيء، سوى أن تكون فلسطين مسؤولية اللبنانيين وحدهم، وتحديدًا الشيعة العاملية الذين لا حول لهم ولا قوة.
الجنوب لم يكن ساحة مفتوحة فحسب، بل أصبح أرضًا سائبة لكل أنواع الفوضى. لم تميّز الصواريخ الإسرائيلية بين مدني وفدائي، ولم تفرق المجازر بين البيوت العامليّة والفصائل المنضبطة أو غير المنضبطة. وحتى حين كانت بعض الحوادث تُخرج عن إطارها الأخلاقي أو السياسي، كانت الدولة اللبنانية تختصر الجريمة بجملة مشؤومة: “تصرف فردي من عناصر غير منضبطة”، وكأن الجنوب لا يستحق حتى تحقيقًا شريفًا أو مساءلة عادلة.
إن ما تحمّله جبل عامل من ويلات، ما بين عامي 1948 و2000، لا تستطيع أي منطقة لبنانية أن تدّعيه. من الاعتداءات اليومية على القرى الامامية الى الاجتياح الأول عام 1978 ثم الاجتياح الكبير عام 1982 وسقوط بيروت، بقي أبناء الجنوب وحدهم في الساحة. كل مدينة وقرية دفعت الثمن، من صور إلى النبطية، من الخيام إلى بنت جبيل. وكل ذلك تم تحت غطاء صمت لبناني–عربي ثقيل، تواطأت فيه النُخب المركزية التي فضّلت اتفاق الطائف والسلام الإسرائيلي–العربي، على دماء أبناء جبل عامل.
لكن الجنوب لم يستسلم. ومن رحم الألم خرجت المقاومة. بكل تفرعاتها: من “أمل” إلى “حزب الله”، ومن الوطنيين اليساريين إلى الحلفاء الذين وحّدهم هدف واحد: تحرير الأرض.
وكان النصر الكبير عام 2000، يوم انسحب العدو الإسرائيلي دون قيد أو شرط. لم يكن النصر مجرّد عملية عسكرية ناجحة، بل كان لحظة مفصلية في تاريخ لبنان والمنطقة، أعادت تعريف معادلة القوة، وأكدت أن المهمشين قادرون على قلب الطاولة إذا توافرت الإرادة.
لكن، ما إن تحقق النصر، حتى بدأ مسلسل الثأر الطائفي والسياسي. لم تستسغ النُخب اللبنانية والعربية أن تهزم طائفة من المهمشين الكيان الإسرائيلي. لم يحتملوا أن يكون الشيعة هم من حرروا الأرض بينما كانت الأنظمة تفاوض وتطبّع.
فبدأت شيطنة المقاومة، واتهامها بالهيمنة، وربطها بالخارج، ونزع الصفة الوطنية عنها. وكل ذلك لم يكن سوى محاولة لإخفاء عقدة الذنب والفشل والخذلان المتراكم منذ نكبة 1948 حتى يومنا هذا.
واليوم، يواجه أبناء جبل عامل مجددًا محاولة لإقصائهم، لا عبر الدبابات، بل عبر الاغتيال الرمزي والسياسي والمعنوي. يُتهمون بأنهم دولة داخل دولة، بينما الحقيقة أن الدولة نفسها تخلّت عنهم مرارًا. يُقال إنهم يحملون مشروعًا مذهبيًا، بينما مشروعهم كان دائمًا حماية الأرض والعِرض. يُنتقدون لأنهم مغتربون، بينما المغترب الجنوبي يعود في كل صيف، يزرع في قريته، يبني، يرمم، يدفن أهله، ويُدفن معهم. بينما أبناء المناطق الأخرى، مع الأسف، يهاجرون دون عودة.
انظر إلى مدافن الجنوب، ترى تواريخ تعود إلى قرون، كأن الأرض تحفظ أبناءها، وتُقسم ألا تتركهم، كما لم يتركوها.
إن جبل عامل لم يكن يومًا انفصاليًا. كان قلبًا نابضًا للبنان، ولكنه عانى من نظام طائفي يُدار من فوق، لا يعترف بالأطراف إلا كخزّان دماء. واليوم، إن كان هناك مطلب واحد يجب أن يسمعه الجميع، فهو أن من حرر الأرض لن يُهزم على أرضه، لا بالسياسة ولا بالإعلام ولا بالعقوبات.
التاريخ لن يُمحى، والجنوب لن يُباع.