
بقلم: د. أسامة توفيق مشيمش
في المشهد السياسي اللبناني المتداخل والمعقد، ليس غريباً أن تكون كل كلمة أو خطاب صادراً عن مسؤول في “حزب الله”، ولا سيما إذا كان المتحدث هو الشيخ نعيم قاسم، محل تفكيك وتأويل وتحليل – وربما تجريح – من خصوم الحزب، ومنهم الصحافي ساطع نور الدين، الذي كتب مقالاً مؤخراً ينتقد فيه ما ورد في تصريحات الشيخ قاسم خلال مناسبة سياسية داخلية.
بعيداً عن أسلوب السجال، فإن ما نحتاجه اليوم هو قراءة موضوعية ومسؤولة، تضع الأمور في نصابها، وتعيد النقاش إلى مستوياته العقلانية، بعيداً عن العناوين التهويلية أو التعميمات المقلقة التي قد تؤدي إلى عواقب غير محسوبة على الساحة اللبنانية المتأزمة بطبيعتها.
في مقاله المنشور بتاريخ 6 آب 2025، بدا واضحاً أن الأستاذ نور الدين اعتمد على مقاربة مشحونة بخلفية سياسية وفكرية مسبقة، تقف على الضفة المقابلة للمقاومة. ورغم حقه الكامل في التعبير عن رأيه، فإن من حق القارئ أيضاً أن يتلقى تحليلاً متوازناً لا يغفل السياق الذي جاءت فيه تصريحات الشيخ نعيم، ولا يضخم مضمون الخطاب بما يخدم سرديات خارجية أو يفتح الأبواب لتفسيرات خطيرة، قد تجر البلد إلى ما لا يُحمد عقباه.
أولاً، لا بد من التأكيد أن حديث الشيخ قاسم، وإن اتسم بنبرة تحدٍّ، جاء ضمن إطار الرد على تصعيد إسرائيلي مستمر منذ أشهر، والذي بلغ ذروته بانتهاك الأجواء والسيادة اللبنانية، وشن عمليات اغتيال واستهداف مباشر، وهو أمر بات موثقاً من قبل الأمم المتحدة والعديد من المراقبين الدوليين. ومن هنا، فإن كلامه عن قدرات المقاومة ليس دعوة للحرب، بل رسالة ردع واضحة هدفها كبح جماح أي اندفاعة إسرائيلية نحو عدوان واسع، عبر التأكيد على امتلاك المقاومة لوسائل دفاع مؤثرة، ضمن قواعد الاشتباك المعروفة.
أما النقطة الأخطر في مقال نور الدين، فتتمثل في استغلاله لذكر مصطلحات مثل “أسلحة كيميائية وبيولوجية”، وتصويرها وكأنها اعتراف ضمني بامتلاك المقاومة لهذه الأسلحة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات دولية وقانونية. وهنا لا بد من التوضيح، بأن ما ورد في كلام الشيخ قاسم كان نقلاً أو عرضاً لما تضمنته “الورقة الأميركية” حول تصنيف بعض الأسلحة التي تزعم واشنطن أن الحزب يمتلكها، ولم يكن إعلاناً أو إقراراً بوجودها. هذا الفارق الجوهري تم تجاهله في المقال، مع أن الإشارة إليه ضرورية لفهم السياق بدقة.
ومن المؤسف أن تُستخدم هذه الإشارة العابرة لتغذية خطاب دولي يسعى لتصنيف لبنان كدولة راعية أو محتضنة لأسلحة دمار شامل، وهو ما لم يثبت بأي دليل موثوق، لا من قبل الأمم المتحدة ولا من أي جهة دولية محايدة، بل إن الحزب نفسه، وفي أكثر من مناسبة، دعا إلى تفتيش دولي لأي موقع يُزعم أنه يحوي مواد محرمة، وثبُت أن العديد من المزاعم الإسرائيلية في هذا الصدد كانت مضللة أو غير دقيقة.
أما مسألة تسليم السلاح إلى الدولة، فهي مسألة تحتاج إلى نقاش داخلي وطني، لا إلى إملاءات خارجية، ولا يمكن حصرها بخطوة واحدة أو قرار أحادي، خصوصاً في ظل احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية، واستمرار التهديدات الإسرائيلية اليومية، وضعف إمكانيات الدولة نفسها في بسط سلطتها كاملة على كامل أراضيها.
وفي ما يخص انتقاد نور الدين لثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”، فهو رأي سياسي مشروع، لكنه لا يلغي حقيقة أن هذه المعادلة حمت لبنان في مراحل عدة، وكانت محل إجماع وطني في بيانات وزارية لحكومات متعاقبة، كما أن خصوم المقاومة أنفسهم أقروا في مراحل سابقة بفاعليتها في مواجهة العدوان الإسرائيلي.
في النهاية، يجب أن يظل النقاش حول المقاومة وموقعها في لبنان ضمن حدود المنطق الوطني، لا ضمن حسابات المحاور الإقليمية أو الرغبات الغربية. والواجب اليوم ليس تقويض عناصر القوة الذاتية للبنان، بل تنظيمها وتعزيزها تحت سقف الدولة ومؤسساتها، من خلال الحوار، لا التهويل، ومن خلال بناء الثقة لا التحريض على بيئة كاملة بتوصيفات قاسية لا تخدم إلا العدو.