
بقلم: الخبير المالي الدكتور أسامة توفيق مشيمش
في عالم المال والمحاسبة، نقيس الربح والخسارة عبر جداول دقيقة، تتكوّن من ثلاثة أعمدة أساسية: الأول للمصاريف، والثاني للإيرادات، والثالث يشرح طبيعة كل بند. هذه القاعدة، رغم جمودها الحسابي، تصلح أحيانًا لقراءة الواقع الإنساني والسياسي، حين تُصبح التضحيات الكبرى أحداثًا فاصلة تقلب الموازين وتستدعي تقييمًا غير تقليدي.
اليوم، أمام حدث استشهاد سماحة السيد حسن نصر الله، سيد المقاومة اللبنانية وقائدها الأول، نجد أنفسنا أمام خسارة بحجم الأمة لا يمكن إدراجها ضمن أي خانة محاسبية عادية. هي خسارة فادحة، أخلاقية، رمزية، وقيادية، لا تُعوض في المدى المنظور، ولا تُقاس بالمادة أو بالموقع السياسي. لقد ارتقى الرجل الذي شكّل على مدى أكثر من أربعة عقود ضمير المقاومة وعقلها وقلبها النابض، حامي الوطن وسند المظلومين، وصوت الكرامة العربية والإسلامية.
لكن، في علم المحاسبة كما في منطق التاريخ، لا تُغطى الخسائر الكبرى إلا من “الاحتياطي الاستراتيجي”. وفي ثقافتنا، هذا الاحتياطي ليس مالياً، بل تاريخي – عقائدي – نضالي. نحن نتحدث هنا عن رصيد ضخم من التضحيات والانتصارات التي بدأت منذ واقعة الطف، حين ارتقى الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه، فأسسوا لخطٍ رساليٍ أصيل، حفظ الإسلام من الانحراف، وزرع في وعي الأمة أن الدم ينتصر على السيف.
من هذا الرصيد نفسه، نغطّي اليوم وجع خسارتنا القائد، ونفهم أن دماء السيد نصر الله – وقد اختارها طريقًا كما اختارها الحسين من قبل – لن تُذهب الوطن نحو الضعف، بل ستُعيد شحن ذاكرة الأمة، وتجديد عهد المقاومة، وترسيخ مشروع السيادة والتحرير في لبنان والمنطقة.
لقد جاءت شهادة السيد في لحظة سياسية وعسكرية دقيقة، ضمن معركة تطال بيئة مقاومة يفوق عدد أبنائها المليون ونصف المليون إنسان، يشكّلون مع حلفائهم ما يقارب نصف شعب لبنان. هذه البيئة، التي لطالما احتضنت المقاومة، نالت اليوم قسطًا كبيرًا من الأذى والخسائر البشرية والمادية في العدوان الأخير. لكن مع استشهاد القائد، تتحول المعركة إلى معركة بقاء هوية ومشروع، وتتحوّل الشهادة من خسارة إلى ضمانة استمرار، ومن ألم إلى زخم نهوض.
إن السيد حسن نصر الله، الذي كان درع الوطن في حياته، أضحى بسُمو شهادته صمّام أمان للسلم الأهلي، وحصناً منيعاً في وجه محاولات بث الفتنة والتمزيق. لقد ارتقى شهيداً كما عاش قائداً: ثابتًا، هادئًا، عميقًا، حاسمًا في الخيارات، حاضنًا للناس والفكرة.
في ميزان المحاسبة السياسية، نقول إن كلفة الشهادة باهظة، نعم، لكنها ليست خسارة خالصة. بل يمكن القول إن كل نقطة دم من جسد السيد، تحولت إلى أصل معنوي في ميزانية الأمة، تحفّز الوعي، وتُبقي المشروع حيًا، وتمنع اختراقه أو احتوائه أو شطبه.
لقد رحل السيد جسداً، لكنه ترك خطابًا، ونهجًا، وهيكلًا تنظيميًا ومؤسساتيًا، وقبل ذلك وبعده، ترك شعبًا مؤمنًا وبيئةً متمسكةً بثوابتها، تعرف أن طريق الحرية معبّدٌ بالتضحيات.
فهل يمكن اعتبار هذه الخسارة نهاية؟ أبدًا. بل لعلها بداية طور جديد من المواجهة، عنوانه: دم القائد لا يُهدر، بل يُثمر… والمقاومة لا تُهزم، بل تتجدد.