وجه المقاومة ووجه التمرد: قراءة في تلاقي نصرالله والرحباني

كتبت زينب خليل هاشم:

في هذا الشرق الذي يقطر تعبًا، وتحت سماء اعتادت صمت الطائرات أكثر من صوت المطر، يطلّ وجهان مختلفان في المظهر، متشابهان في العمق: السيد حسن نصرالله، الذي يقبض على جمرة المقاومة بيدٍ من يقين، وزياد الرحباني، الذي يسكب شكوكه في نوتات موسيقية وأحرف لا تهدأ.

ما الذي يجمع رجل الميدان الذي يقف في عتمة الليل على جبهة الجنوب، برجل البيانو الذي يكتب على وقع القهوة الباردة والتعب اللغوي؟

ما الذي يربط بين خطيبٍ ترفرف حوله رايات الانتصار، وفنانٍ يكتب نصوصًا تشبه الموج الهادئ تحت قشرة بحرٍ عميق؟
ربما هي مفارقة هذا المشرق نفسه: حيث تتجاور البنادق مع القصائد، وتستوي الخنادق والمقاهي على قدر الوجع.

*لغة الناس… ونبض الأرض

في خطاب نصرالله، تجد صوتًا لا يحتاج إلى زخرفة. يُحسن استخدام المفردة حين تكون خفيفة على الأذن وثقيلة في المعنى. حديثه قريب، لكنه لا يسقط في التبسيط. جادّ، دون أن يكون جافًا.

أما زياد، فهو ابن اللهجة التي تعبّر دون أن تصرخ. يعرف متى تهمس العبارة لتصبح أبلغ من الصراخ، ومتى تترك المعنى عاريًا ليتحدث عن نفسه.

كلاهما – وإن اختلفا في الوسيلة – تكلما بلغةٍ يفهمها الناس، ويثقون بها، لأنها تشبههم، وتُشبه ما لم يستطيعوا قوله.

*فلسطين… في الخلفية والواجهة

السيد نصرالله لا يضع فلسطين في موقع الرمز فقط، بل في موقع الالتزام، كأنها قَسَمٌ يُتلى في أول كل خطاب.
أما زياد، فيحمل فلسطين في عمق جمله العابرة، وفي صمته الحاد، في تلك المساحة التي لا تحتاج إلى لافتة كي تُقرأ.
فلسطين في تجربتهما ليست “قضية”، بل امتحانٌ للصدق.

*موقف من السلطة… لا يُقال بل يُفهم

نصرالله لا يناور مع السلطة، بل يتعامل معها بوصفها ظرفًا لا قدرًا. ينتقد الفساد واللاعدالة لا بشهوة الهدم، بل برؤية إصلاحية متجذرة في مشروعه.

أما زياد، فموقفه من السلطة يمرّ كالماء في تشققات النصوص. لا يصرّح، بل يُلمّح. لا يدين، بل يفتح باب التساؤل.
في الحالتين، هناك وعي عميق بأن السلطة، في هذا البلد، أكثر هشاشة من أن تُواجه مباشرة، وأكثر مكراً من أن تُترك دون مساءلة.

*الهيمنة الغربية… بين المواجهة والتفكيك

نصرالله يقف في وجه الغرب كمن يقف في وجه تيارٍ يريد أن يجرف كل ما تبقى من كرامة. خطابه يتكئ على وعي تاريخي وجغرافي ومعرفي متماسك.

زياد، في المقابل، لا يحارب الغرب بوجه مكشوف، بل يُفكّك صورته. يجعل من “التقدّم” سؤالًا، ومن “الحرية” استعارة مشروخة.

كلاهما، بطريقته، يرى أن الانبهار بالآخر ليس طريق النجاة.

*نحتاج إلى الاثنين معًا

نحن بحاجة إلى من يقول لنا إن الكرامة لا تُشترى، تمامًا كما نحتاج لمن يذكّرنا بأن الحنين لا يكفي.
إلى من يحمل البوصلة، ومن يشكّك في الخرائط.

إلى من يُعلن المعركة، ومن يُسائل أسبابها.

في زمن التيه، يصبح صوت نصرالله علامة طريق، وصوت زياد ملاحظة على الهامش لا يمكن تجاهلها.

*خاتمة: في تلاقي الحزم والتأمل

قد يبدو اللقاء بين نصرالله والرحباني لقاء المستحيلين، لكن الشرق لطالما كان مسرحًا للتناقضات الخصبة.
في أحدهما صرامة القرار، وفي الآخر تأمل الفكرة. في أحدهما مشروع مقاومة، وفي الآخر شكٌ مبدع في كل يقينٍ جاهز.

لكن ربما نحن، في هذا الجزء المكسور من العالم، نحتاج إلى هذا التلاقي تحديدًا: أن يُقاوِم أحدهم، بينما يتأمل الآخر. أن يُعلن أحدهم، بينما يهمس الآخر.

أن نعرف أن الكلمة والموقف – حين يكونان صادقين – يلتقيان، ولو من ضفتين مختلفتين.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com