
كتب باسم الموسوي:
ظهر الاستشراق، كمجال معرفي وممارسة ثقافية، في قلب المشروع الحداثي الغربي بصفته أحد أهم أدوات تشكيل “الآخر” الإسلامي. ومع تبلور منظومة معرفية حول الإسلام في جامعات أوروبا منذ القرن السابع عشر، لم يكن الأمر مجرّد فضول أكاديمي تجاه الشرق، بل جزءًا من علاقة غير متكافئة حكمها منطق القوة والهيمنة المعرفية. في هذا السياق، يُمكن قراءة كتاب “الإسلام في الفكر الأوروبي” لألبرت حوراني كتوثيق تاريخي لتطوّر الرؤية الأوروبية تجاه الإسلام، لكنه يبقى سجينًا نسبيًا لما بعده وصفه إدوارد سعيد بـ”خطاب السلطة المعرفية” التي تُقنّع نفسها بمنهج علمي محايد.
لقد شكّل إدوارد سعيد، في كتابه المرجعي الاستشراق (1978)، منعطفًا حاسمًا في نقد هذا الحقل، حين كشف عن البنية الخطابية التي تنتج الشرق لا كما هو، بل كما تريده القوة الاستعمارية أن يكون. لا يرى سعيد الاستشراق علمًا بريئًا، بل خطابًا أيديولوجيًا يتشابك مع مصالح الإمبراطوريات الاستعمارية، ويقوم على الثنائيات الكبرى: الغرب/الشرق، العقل/اللاعقل، التقدّم/الجمود. فالشرق المسلم، بحسب هذا الخطاب، إما نموذج للانحطاط أو موضوع للافتتان الرومانسي، لكنه في الحالتين يُقصى عن أن يكون ذاتًا فاعلة معرفيًا أو سياسيًا.
لكن سعيد، كما لاحظ طلال أسد، ركّز في تحليله على البنية الخطابية دون أن يمنح الاهتمام الكافي لآليات التشكّل الداخلي للمعرفة الأنثروبولوجية عن الإسلام. في نقده العميق للاستشراق، وسّع أسد الإطار إلى ما أسماه “نمط العقلنة الإمبريالي”، موضحًا أن ما يميز المعرفة الاستشراقية ليس فقط بنيتها الخطابية، بل إدراجها ضمن مشروع شمولي لتأطير الإسلام داخل تصوّرات غربية عن الدين والحداثة. فالإسلام، في السياق الاستشراقي، يُختزل إلى “دين” بمعايير المسيحية البروتستانتية، حيث يصبح النظام العقائدي والطقسي محور التفسير، وتُهمل البُنى الاجتماعية والسياسية التي تُنتج المعنى داخل المجتمعات الإسلامية.
على هذا الأساس، رفض وائل حلاق فكرة أن يكون الإسلام مجرد موضوع لعلم “موضوعي” يُنتج من خارج سياقاته الذاتية. في أعماله، لا سيما “الدولة المستحيلة”, ينتقد حلاق جذور الفكر الاستشراقي من حيث أنها تفترض تفوّقًا معرفيًا ناتجًا عن الحداثة الأوروبية. فهو يبيّن أن منظومة الشريعة الإسلامية كانت، لقرون، تشكّل نموذجًا أخلاقيًا وقانونيًا متماسكًا لا يمكن تحليله بمعايير الدولة الحديثة الغربية. بالنسبة لحلاق، الاستشراق لا يقف فقط على أنقاض الهيمنة السياسية، بل على أنقاض فرض تصوّر معياري عن ما يجب أن يكون عليه “الدين” و”القانون” و”الدولة”، وكلها مفاهيم محمولة على خلفية غربية حداثية.
أما جوزف مسعد، فقد ذهب خطوة أبعد في فضح البُعد الجنسي والثقافي للاستشراق، خصوصًا في تمثيلاته للمثليّة والجنسانية في المجتمعات الإسلامية. في كتابه “اشتهاء العرب”, بيّن كيف أن الخطاب الاستشراقي أسهم في إنتاج تصوّرات نمطية عن العرب والمسلمين كجسد “غرائبي”، يختزن المكبوت الغربي ويعكس خيالاته. الاستشراق عند مسعد ليس فقط خطابًا عن الدين، بل عن الرغبة، الجنس، والهوية. وهو خطاب يحوّل الإسلام من ظاهرة حيّة ومعقّدة إلى “نظام علامات” يُقرأ عبر ترميز مسبق يسقط عليه الصور الغربية.
إن القاسم المشترك بين هؤلاء المفكرين يتمثل في إصرارهم على تفكيك الفرضية الأساسية للاستشراق: أن الإسلام موضوع يُمكن مقاربته بمنهجيات غربية محايدة. لقد أظهروا، كل من زاويته، أن هذه الفرضية تخفي بنية من التسلّط المعرفي، حيث يُمنح الغرب وحده امتياز تعريف الإسلام وتأطيره وتحديد ما هو “حقيقي” أو “متطرّف” أو “معتدل” فيه. وهو ما يتجسّد في الممارسات السياسية المعاصرة التي تُجيّر المقولات الأكاديمية الاستشراقية في خدمة تدخلات جيوسياسية أو حملات “إصلاح” مفترضة.
لا يعني ذلك رفض كل معرفة غربية بالإسلام، بل نقد شروط إنتاجها ومنطقها الداخلي. فالمطلوب ليس الانكفاء على ذاتية مغلقة، بل تأسيس حوار معرفي لا يقوم على علاقة القوة، بل على الاعتراف بالندية المعرفية والسياقية. هذا يتطلب، كما يشير بعض الباحثين اليوم، انخراطًا في إعادة تعريف الأسئلة، لا فقط الإجابات، حول الإسلام، الدين، والتاريخ.
في ضوء ذلك، يبقى الاستشراق تحدّيًا قائمًا: ليس فقط في طروحاته، بل في حضوره البنيوي داخل مؤسسات المعرفة وصناعة الرأي. مقاومته لا تكون بنفيه بل بتجاوزه نقديًا، أي بتحرير الإسلام من كونه موضوعًا للشرح الغربي، وإعادته إلى موقع الذات المفكّرة والفاعلة في إنتاج معرفتها بنفسها، وللعالم أيضًا.
