
بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش
في زمنٍ تتراكم فيه الانهيارات على كافة المستويات، يعود السؤال الجوهري ليتصدّر المشهد اللبناني: هل يمكن بناء دولة مدنية في بيئة مشبعة بالولاءات الدينية والطائفية، حيث تختلط السلطة بالإيمان، ويتحوّل المقدّس إلى أداة لخدمة المدنس السياسي؟
لقد دافعتُ منذ سنوات عن مشروع الدولة المدنية، لا باعتبارها خصماً للدين، بل كمُكمّل لمسيرته الأخلاقية، بوصفها دولة تستمد شرعيتها من القيم المشتركة التي حملتها الرسالات السماوية: العدل، والحرية، والمساواة، والكرامة. لكن التجربة اللبنانية أثبتت أن النوايا وحدها لا تكفي. فعندما تُحتكَر السلطة باسم الدين، وتُفسّر النصوص وفق رغبات السلطة، نكون قد ابتعدنا عن الدين الحقيقي واقتربنا من تديّن مسيّس لا يعترف إلا بذاته.
لقد صادفت خلال هذا المسار فئة من الناس تدّعي الالتزام الديني، لكنها في العمق لا تقيس الأمور إلا من خلال مصالحها الذاتية، المستترة خلف شعارات التقوى. هذه الفئة، وإن تكلمت باسم الشريعة، إلا أنها تمارس السياسة بمنطق الغلبة، لا بمنطق المصلحة العامة. وهنا تتكشّف واحدة من أخطر المعضلات في مشروع الدولة المدنية: من يراقب التطبيق؟ ومن يضمن الحياد؟
فالقانون، مهما كان مُحكمًا، يفقد قيمته إن لم يُطبَّق بعدالة. والدولة، مهما بُنيت على أسس مدنية، تنهار إذا تسلّلت إليها الذوات المتلبّسة بالدين، تلك التي تجعل من الدين سلاحاً لفرض الهيمنة لا لبناء المجتمع.
ولذلك فإن السؤال الأعمق الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل يوجد بشرٌ محايد؟
في لبنان، لم يعد الانقسام قائمًا فقط بين طوائف، بل بين تأويلات للدين نفسه، تأويلات تتصارع داخل المؤسسات، وتُفرغها من مضمونها الوطني. فكيف يمكن لدولة مدنية أن تنمو، في حين أن رقابتها القضائية والإدارية والأمنية خاضعة للفرز الطائفي؟
إن ما نحتاجه ليس فقط دستورًا جديدًا، أو نصوصًا قانونية معاصرة، بل إعادة بناء الضمير الجمعي القادر على الفصل بين الدين كمرجعية أخلاقية عليا، وبين التديّن كوسيلة للسلطة والسيطرة. فالدولة المدنية لا تُبنى على الورق، بل على إرادة حقيقية لتحييد المؤسسات، وإعادة تشكيل الوعي الوطني على أسس المواطنة، لا الطائفة.
وهنا أؤكد أن مشروع الدولة المدنية في لبنان لن ينجح ما لم يُدعّم بثلاثة أعمدة رئيسية:
1. إصلاح جذري للقضاء يضمن استقلاله الكامل عن المرجعيات السياسية والدينية.
2. إنشاء هيئات رقابية حيادية فعليًا، لا يُعيَّن أعضاؤها على قاعدة التوازن الطائفي، بل الكفاءة والشفافية.
3. نهضة دينية تنويرية تعيد قراءة النصوص بعيدًا عن التوظيف السياسي، وتُقدّم فهماً إنسانيًا منفتحًا للدين في سياقه التاريخي والمعاصر.
لسنا في صراع بين الدين والدولة، بل في صراع بين من يفهم الدين بوصفه قيمة مطلقة تنسجم مع حقوق الإنسان، وبين من يُجيّره لأهداف دنيوية. الدولة المدنية الحقيقية لا تُقصي الدين، بل تُحرّره من قبضة الطوائف، وتُعيده إلى حيث يجب أن يكون: مرآةً للضمير، لا أداة للسلطان.
إن ما نشهده اليوم هو أخطر من أزمة حكم، إنه أزمة وعي. وأي مشروع إصلاحي، سياسي أو ديني، لا ينطلق من هذه الحقيقة، سيكون مجرد حلقة إضافية في مسلسل الفشل المتواصل.