
بقلم باسم الموسوي (ماجستير علم اجتماع سياسي)
في زمن المماليك، حين تلاقت السلطة مع الفقه لتثبيت صورة مركزية للإسلام السياسي، دفعت الأقليات المذهبية الثمن باهظًا. ومن بين هذه الأقليات، كان للشيعة في جبل عامل ولبنان النصيب الأكبر من التنكيل. كتاب الدكتور مصطفى محمود سبيتي الحياة الفكرية للأقليات المذهبية في لبنان في العهد المملوكي يسلط ضوءًا نقديًا على تلك المرحلة، كاشفًا كيف تحول وجود الشيعة من مكوّن اجتماعي وتاريخي إلى “تهديد” تُجابهه الدولة المملوكية بالعنف الممنهج، لا بالحوار.
اضطهاد ممنهج: من الفتوى إلى السيف
مارست السلطة المملوكية اضطهادًا مركّبًا ضد الشيعة، جمع بين القمع العسكري، والإقصاء المؤسسي، والتكفير الديني. فقد وصفهم الكتاب بأنهم تعرّضوا لحملات عسكرية منظمة من قبل الدولة المملوكية، ومن أبرزها الحملة التي قادها الأمير بيبرس الجاشنكير سنة 1305م على جبل عامل. يقول المؤلف:
“وقد طُبّقت على الشيعة سياسات مملوكية قمعية عنيفة، تمثلت في شن حملات عسكرية ضدهم، قتلهم، تهجيرهم، وهدم منازلهم، وقطع أشجارهم، كما حصل في الحملة على جبل عامل”. ويضيف:
“قُتل عدد كبير من السكان، ودُمّرت قراهم، وقُطعت أشجارهم، وأُحرقت منازلهم” .
الحملة لم تكن معزولة، بل تكررت في مناسبات أخرى، وكان يُنظر إلى أي تمظهر علني للتشيّع كفعل “خروج” على النظام. فالدولة منعت إقامة الشعائر، كما منعت الشيعة من ركوب الخيل في المدن، وحرمتهم من حقّ الشهادة في المحاكم، وجُرِّم تقليد أئمتهم أو الاعتراف بفقههم.
الفقه عقوبة، والعلم جريمة
من أخطر مظاهر القمع كان استهداف العلماء. أورد الكتاب تفصيلًا بالغ الأهمية حول الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي، أحد أعلام الفقه الشيعي، والذي قُتل في دمشق سنة 1385م.
“استُدرج الشهيد الأول من جبل عامل إلى دمشق، بتهمة التشيع ورفض المذاهب الأربعة، وبعد محاكمة صورية صدر الحكم بإعدامه، ونُفّذ على يد قضاة المذاهب السنية الأربعة الذين وقّعوا على الفتوى” .
ولا يقل مأساوية مصير الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي، الذي ألقي القبض عليه في العهد العثماني لكن ضمن سياق متواصل من التنكيل أرساه العهد المملوكي. وكان يُتّهم من يحمل أي فكر شيعي بالزندقة أو الخروج، ويُحرم من التعليم والخطابة.
تهميش ممنهج: من الفقه إلى الجغرافيا
يشرح المؤلف كيف دُفع الشيعة إلى الانكفاء الجغرافي والاجتماعي، قائلاً:
“كان العزوف عن مشاركة الشيعة في المؤسسات الرسمية نتيجة سياسة مملوكية ممنهجة هدفت إلى حصرهم في الأطراف والمناطق الجبلية الوعرة، وخاصة في جبل عامل وبعلبك والهرمل”.
كما حُرموا من التعليم الرسمي، ولم يكن يُسمح لهم ببناء مدارس علنية، على عكس الفرق الصوفية التي رعتها الدولة.
مقاومة في الظل: الفكر كنجاة
ورغم ذلك، لم ينكفئ الشيعة عن النشاط الفكري. بل على العكس، شهد جبل عامل ولادة ما يشبه “مدرسة تحت الأرض”، ظهرت فيها شخصيات علمية كبيرة، ساهمت في إنتاج تراث فقهي كبير، وكانت تدرّس الكتب وتدوّن المؤلفات بعيدًا عن أعين السلطة.
“نشطت حلقات العلم في الجبال، وتحوّلت البيوت إلى مدارس، وكان العلم يُدرّس ليلًا في السر خوفًا من المراقبة. وقد ازدهر فقه الاجتهاد عندهم ردًا على فقه السلطة المعتمد على التقليد والتواطؤ” .
عاشوراء تحت المراقبة
يورد الكتاب أن إحياء الشيعة ليوم عاشوراء كان يُنظر إليه كفعل مريب:
“في عاشوراء كانت الدولة تتشدد بمراقبة الشيعة، وتمنع التجمعات، وتعتبر أي احتفال شعبي يشمل طعامًا أو مواكبًا أو لطمًا خروجًا على النظام، وتعتقل المشاركين”.
وقد يُجبر البعض على مغادرة المدن إلى الجبال في تلك المناسبات، خوفًا من الاعتقال.
خاتمة: من المحنة إلى الهوية
ما يُبرزه هذا الكتاب ليس فقط مأساة الشيعة في العهد المملوكي، بل كيف أنتج هذا الاضطهاد هوية مقاومة وفكرًا احتجاجيًا حيًا. لم تكن الهوية الشيعية انعزالية بطبعها، بل فُرضت عليها العزلة، وتحولت إلى وعي جمعي مقاوم للظلم، لا للغير.
ففي زمن قمع الكلمة والعقيدة، تحوّل الفقه إلى فعل مقاومة، والمدرسة إلى حصن، والفتوى إلى تهمة. وربما كان في مأساة الشهيدين الأول والثاني تلخيصٌ مكثّف لحالة شعب لم تُتح له السلطة، لكنه لم يتنازل عن الحق في الفكرة.