
بقلم: عصام الحلبي
في غزة، لم يعد الجوع حالة طارئة، بل نظامًا وحصارا مفروضًا. لم تعد الحاجة للطعام تعني أزمة طارئة، بل باتت تمهيدًا لموت معلن. في غزة لا يُقصف الإنسان فقط بالبارود، بل يُدفن حيًّا تحت ركام الحصار، بستباح ويُنهك حتى العظم، حتى الصمت.
منذ شهور طويلة، لم تدخل إلى القطاع شاحنة طحين واحدة تكفي حاجة حيّ، ولم يصل لتر وقود يكفي لتشغيل فرن أو مواد كهرباء لمستشفى. أطفال غزة لا ينامون على بطون خاوية، وأمهات يقضين الليل في محاولات فاشلة لاختراع وصفة من اللاشيء.
سياسة التجويع… أكثر من مجرد حصار
منذ بدء العدوان الإسرائيلي ، فُرض على القطاع حصار شامل امتد ليمنع الغذاء والدواء والماء والوقود. المعابر أغلقت، الشاحنات منعت من الدخول للقطاع، والمساعدات الإنسانية دُفنت في رمال الصحراء تحت ذريعة الأمن.
لكن ما يحصل ليس عجزًا عن الإمداد، بل إرادة واضحة لكسر المجتمع الفلسطيني من الداخل. فكلما مات طفل من الجوع، أو توفي شيخ بمرض كان علاجه في علبة دواء ممنوعة، كان ذلك جزءًا من المخطط الصامت ،إنهاك المجتمع الفلسطيني حتى الانهيار.
ليس هناك ما يسمى “أضرار جانبية”. في غزة، كل شيء مستهدف، حتى حليب الأطفال، حتى مياه الشرب، حتى الهواء النقي.
الجوع… الوجه الآخر للقتل
ليس الجوع شعورًا عابرًا في غزة، بل حالة جسدية متفشية، عشرات الأطفال تقل أوزانهم عن الحد الطبيعي، بشرتهم شاحبة، وأجسامهم واهنة. مراكز الإيواء تحولت إلى مشاهد صادمة، أمهات بلا طعام، أطفال بلا حليب، شيوخ لا يملكون حتى كوب ماء .
مع غياب الغذاء، ظهرت أمراض لم تكن مألوفة حتى في أصعب الحروب،
تورم الجسم بسبب نقص البروتين،
ضعف المناعة الكامل عند الأطفال،
فشل كلوي نتيجة الجفاف الشديد،
التهابات حادة سببها التسمم من المياه الملوثة،
المستشفيات، بعضها لم يعد فيه سوى الضمير، إذ لم يبق دواء ولا مستلزمات. وحتى الأطباء، باتوا شهودًا على موت لا يستطيعون منعه.
موت بطيء… لا يهزّ أحدًا في هذا العالم
ما يفتك بغزة الآن، ليس فقط العدوان، بل اللامبالاة. على الرغم من حجم الكارثة، لا أحد يتحرك كما ينبغي. قرارات دولية باهتة، دعوات هزيلة، ومؤتمرات بلا أثر.
المساعدات المحتجزة عند الحدود، تُستخدم أداة ضغط، تُمنح أو تُمنع وفقًا لمزاج سياسي دولي، لا وفقًا لاحتياجات الناس. في عالم يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، لا مكان لغزيّ يصرخ من الجوع.
مجتمع يقاوم الموت بأمعائه
في ظل هذا الظلام الدامس، تُسجل غزة مقاومتها للموت بأمعاء خاوية.
العائلات نتشارك ما تبقى من خبز يابس، نساء يخترعن بدائل للطهي بلا غاز، أطفال يتعلمون كيف يُسكتون صراخ الجوع بصبر مفروض قسرا.
.
في الأسواق، لا أسعار، لأن البضاعة نادرة. في البيوت، لا موائد، بل محاولات للبقاء على قيد الحياة.
سؤال مفتوح للعالم… كم طفلًا يجب أن يموت جوعًا كي تتحرك الضمائر؟
غزة ليست في نكبة مؤقتة، بل في موت طويل المدى، تُقتل ببطء، وسط صمت العالم، وتواطؤ السياسة. ما يجري ليس قدرًا، بل جريمة مكتملة الأركان، فصولها تُكتب يومًا بعد يوم، بدموع الأمهات، وصراخ الجوعى.
هل الجوع أقلّ فتكًا من القذائف؟
وهل الموت ببطء لا يستحق صدمة العالم كما يستحقه الموت المفاجئ؟
الأسئلة لا تزال معلقة، كما رغيف الخبز، كما قافلة المساعدات المحتجزة، كما الكرامة التي تصرخ خلف الحصار.