لبنان بين وهم الحياد وحقيقة التداخل

رأي اليوم

لطالما تغنّى الخطاب الرسمي اللبناني بشعار «الحياد» أو «النأي بالنفس» لحماية لبنان من حرائق المنطقة، لكن الوقائع تثبت أن هذا الشعار بقي مجرّد غطاء لفظي يتهاوى أمام المصالح والولاءات الطائفية والسياسية الممتدة خارج الحدود.

اليوم، يعود هذا التناقض إلى الواجهة من بوابة ما يجري في السويداء السورية، حيث يشهد لبنان تدخلاً معنويًا وسياسيًا لبعض القوى الدرزية لدعم امتدادهم الطبيعي في جبل العرب. مشهد يعكس حقيقة التداخل التاريخي والاجتماعي، لكنه في الوقت ذاته يفضح ازدواجية المعايير في التعامل مع أزمات سوريا.

ففي شمال شرق سوريا، حين وقعت المجازر ضد مكوّنات أخرى، لم يتحرّك الداخل اللبناني بالمستوى نفسه من التضامن أو التدخل، رغم تشابك الانتماءات المذهبية والسياسية لبعض الأطراف مع تلك المناطق. هنا تظهر بوضوح معادلة النفوذ والمصالح: ليس التضامن وحده من يحرّك المواقف، بل حسابات دقيقة مرتبطة بمواقف الحلفاء الإقليميين وقدرة الأطراف المحلية على الاستثمار السياسي في هذه الملفات.

إن ما يجري اليوم يذكّرنا بأن «الحياد» في لبنان مجرّد أسطورة تليق بخطب البيانات، بينما الواقع يرسمه نفوذ الطوائف، وتوازنات الخارج، وضعف الدولة التي تعجز عن ضبط انخراط بعض مكوّناتها في صراعات تتجاوز حدودها. وما دام الامتداد المذهبي والعابر للحدود أقوى من فكرة الدولة، ستبقى الساحة اللبنانية مفتوحة أمام تدخلات وانتقائية في القضايا، فتتحرّك الطوائف عندما تريد وتلتزم الصمت متى شاءت.

إن أزمة السويداء اليوم تذكير حي بأن الداخل اللبناني سيظل رهينة الصراعات الإقليمية طالما بقيت الطوائف جُسورًا لهذه التدخلات. أما «الحياد» الحقيقي، فلن يكون سوى شعار جميل بلا مضمون، ما لم تتحرّر السياسة من سطوة الطائفية، ويُعاد الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة فوق كل الانتماءات.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com