شراكة في الكرامة الانسانية لا في الوطن البديل

بقلم: عصام الحلبي

هل يمكن للبنان وفلسطين أن يتشاركا الهمّ دون أن يقع أحدهما فريسة لهواجس الآخر؟ هل من الممكن أن تُبنى العلاقة بين الطرفين على قاعدة الكرامة الإنسانية لا الخوف، وعلى حق الإنسان في العيش لا على فزّاعة التوطين او الوطن البديل؟ هذه الأسئلة لا تُطرح من باب الترف، بل تمثّل جوهر المعضلة التي يتناولها المحامي والباحث عاهد أحمد جمعة في كتابه “الرؤية اللبنانية والفلسطينية لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان – دراسة مقارنة”، الذي يشكّل محاولة متقدمة لوضع إطار عقلاني وإنساني للعلاقة بين دولتين وشعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ، وفرّق بينهما الحذر السياسي وسوء الفهم المزمن.

نحو دستور غير مكتوب لعلاقة واضحة

في هذا العمل البحثي، يسعى جمعة إلى إعادة صياغة مقاربة العلاقة اللبنانية – الفلسطينية بعيدًا عن الموروثات السياسية المثقلة بالتوجس والمزايدات السياسية، مُستندًا إلى دراسة مقارنة موسعة بين الرؤى اللبنانية والفلسطينية تجاه قضايا اللجوء. لا يقدم الكتاب حلولًا آنية بقدر ما يرسم ملامح لما يمكن أن بكون دستورا غير مكتوب، قاعدته الحقوق والعدالة، لا التسويات الظرفية أو محاولات التوطين المقنّع. إنه دعوة إلى شراكة في الكرامة، لا إلى تبادل المخاوف.

بين خطابين… الخوف من التوطين وتمسّك بالعودة

يكشف الكتاب عن التباعد العميق بين الخطابين اللبناني والفلسطيني حيال موضوع اللجوء. ففي حين تنظر بعض النخب السياسية اللبنانية إلى الوجود الفلسطيني من زاوية ديموغرافية وأمنية، يُصرّ اللاجئون الفلسطينيون على أنهم ليسوا عبئًا بل ضحايا، يتمسّكون بحقهم في العودة، ويرفضون أي محاولة لإذابتهم أو طمس هويتهم الوطنية. لكن هذا التمسّك لا ينفي حاجتهم إلى حياة كريمة داخل لبنان، إلى حقوق أساسية لا تُقدّم على أنها تنازلات بل كاستحقاقات إنسانية.

الحقوق الإنسانية لا تعني التوطين

يضع جمعة هذا التناقض في صلب دراسته، مؤكدًا أن حرمان الفلسطيني من حقه في العمل والملكية والتعليم لا يثبّت هويته، بل يدفع نحو تذويبها. أما منح الحقوق، فهو فعل تعزيز للهوية لا انتقاص منها. ويعزز هذه الفرضية بسلسلة من الاستطلاعات والبيانات القانونية، إلى جانب سرد تاريخي دقيق للسياسات اللبنانية تجاه الفلسطينيين منذ النكبة، كاشفًا أن منطق الحرمان لم يؤدِ إلا إلى التهميش والانغلاق.

دعم للسيادة… لا تهديد لها

بعكس ما يُروّج، يرى الباحث أن الاعتراف بحقوق اللاجئ لا ينتقص من سيادة الدولة اللبنانية، بل يعززها. فالدولة القوية هي التي تُحسن إدارة ملف اللجوء بمنطق الحقوق لا العزل، والمنح لا المنع، وهو ما يوفّر للبنان ورقة تفاوض أقوى في أي تسوية إقليمية مقبلة، ويمنع انفجار الأزمات في المخيمات المحاصرة بالقوانين كما بالجدران.

دراسة ذات بعد إنساني وقانوني

ينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسيين، يُسبقهما مدخل تمهيدي يتناول جذور اللجوء، وأهداف الدراسة، ومنهجها، ومصادرها. يعالج القسم الأول الأسس الفكرية والسياسية التي تحكم الرؤيتين اللبنانية والفلسطينية. أما القسم الثاني، فيتعمق في مقارنة المواقف من خمس قضايا محورية:

1. الحق في العمل والضمان الاجتماعي،

2. الحق في ممارسة المهن المنظمة،

3. آلية عمل لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني،

4. الموقف من التوطين مقابل التمسك بحق العودة،

5. قضايا الأمن وإدارة المخيمات وحق الفلسطيني في التنظيم المدني.
يُعالج كل محور من هذه المحاور بمنهج قانوني وتحليل سياسي، مع اقتراحات عملية تتيح الانتقال من الجمود إلى التدرج في الحلول.

نداء لإنقاذ العلاقة من فخ السياسات

في خاتمته، يطلق جمعة نداءً هادئًا لكن صارمًا، آن الأوان لكسر دائرة الشك والاتهام المتبادل، وبناء علاقة جديدة تنطلق من الواقع لا الأوهام. فاللاجئ الفلسطيني ليس متطفلًا على لبنان، ولا هو طامع في بديل عن وطنه، لكنه يرفض أن يُحاصر في العدم، أو يُعامل ككائن فائض عن الحاجة، إنه إنسان يستحق الكرامة، كما يستحق أن يُنظر إليه كشريك في المصير لا كمجرد عامل أمني في حسابات الطوائف.

توقيع الكتاب… قريبًا في صيدا

من المقرّر أن يوقّع الباحث كتابه في مدينة صيدا خلال الأيام المقبلة، على أن يُعلن عن تفاصيل الموعد والمكان لاحقًا. ولعل هذه المناسبة تكون فرصة لإعادة فتح النقاش حول قضايا اللجوء الفلسطيني من زاوية إنسانية وعقلانية، كما أرادها المؤلف، لا من بوابة الخطاب السياسي المقفل.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com