حذّر مدير مركز بيروت للأخبار مبارك بيضون من تداعيات الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، معتبراً أن الاحتجاجات والتحركات الشعبية في فرنسا تعكس أزمة سياسية واجتماعية أعمق، تتداخل فيها الخلافات حول السياسات الاقتصادية والمالية مع التباينات بشأن الحرب الروسية الأوكرانية ومستقبل النفوذ الأوروبي في الشرق الأوسط.

وفي حوار مع قناة اللؤلؤة الفضائية، أكد بيضون أن ما تشهده فرنسا وأوروبا لا يمكن فصله عن طبيعة السياسات المتبعة داخلياً وخارجياً، مشيراً إلى أن الإخفاق في معالجة المطالب الاجتماعية والطلابية والنقابية يساهم في توسيع حالة الاعتراض الشعبي، ويكشف عن انقسامات سياسية عميقة بين اليمين واليسار.

مبارك بيضون: واشنطن تريد أوروبا ضمن حساباتها الاستراتيجية

مبارك بيضون: واشنطن تريد أوروبا ضمن حساباتها الاستراتيجية
مبارك بيضون: واشنطن تريد أوروبا ضمن حساباتها الاستراتيجية

وأشار بيضون إلى أن الخلافات بين واشنطن والعواصم الأوروبية تتجاوز الملفات الاقتصادية إلى طبيعة الدور الذي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضه على حلفائها، لافتاً إلى أن الدعم الأوروبي لأوكرانيا والتعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية يطرحان تساؤلات حول مدى تطابق المصالح الأمريكية والأوروبية.

ورأى أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى الحفاظ على موقعها بوصفها القوة المهيمنة دولياً، ولا ترغب في بروز أقطاب مستقلة تمتلك القدرة على منافسة نفوذها أو اتخاذ قرارات استراتيجية تتعارض مع أولوياتها.

وأضاف أن طريقة تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع القيادة الفرنسية، إلى جانب مواقفه من الدول الأوروبية، تعكس حجم التباينات في العلاقة بين الجانبين، وتثير تساؤلات حول مستقبل الشراكة عبر الأطلسي في ظل التنافس الدولي المتصاعد.

ولفت بيضون إلى أن التحركات الطلابية والنقابية والاحتجاجات المرتبطة بحركة السترات الصفراء في فرنسا تمثل مؤشرات على اتساع الاعتراضات الداخلية، معتبراً أن تزامن هذه التحركات مع الانقسامات السياسية والاستحقاقات الانتخابية المقبلة قد يضع القيادة الفرنسية أمام ضغوط إضافية.

الحرب على إيران وأوكرانيا.. حسابات أمريكية معقدة

وفي قراءته للتطورات الإقليمية، أشار بيضون إلى أن السياسة الأمريكية تواجه تحديات متزايدة في ملفات الشرق الأوسط، ولا سيما الحرب مع إيران والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب، فضلاً عن تداعيات المواجهات العسكرية على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للقوى الدولية.

وأكد أن هذه التطورات تضع واشنطن أمام معادلات معقدة، في ظل صعوبة تحقيق جميع أهدافها المعلنة بالتوازي مع استمرار الأزمات العسكرية والاقتصادية وتزايد الاعتراضات الداخلية على سياستها الخارجية.

ورأى بيضون أن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، ومستقبل الحرب في أوكرانيا، قد يشكلان جزءاً من أي تفاهمات دولية أوسع تتصل بمستقبل الصراع مع إيران، لكنه شدد في سياق تحليله على أن الوصول إلى تسويات فعلية يبقى مرتبطاً بموازين القوى ومصالح الأطراف المعنية، وليس بمجرد الرغبة الأمريكية في إنهاء المواجهات.

وأضاف أن أي تسوية محتملة ستطرح أسئلة صعبة بشأن حجم التنازلات التي يمكن أن تقدمها واشنطن وموسكو، وانعكاساتها على أوكرانيا والدول الأوروبية، فضلاً عن تأثيرها في التوازنات الإقليمية.

هل تدفع الانتخابات الأمريكية ترامب إلى تغيير سياسته؟

وفي ما يتعلق بالداخل الأمريكي، أشار بيضون إلى أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يضع سياسات ترامب الخارجية أمام اختبار سياسي، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والانقسامات الداخلية والاعتراضات على استمرار المواجهات الخارجية.

واعتبر أن قدرة الإدارة الأمريكية على تحقيق نتائج ملموسة في الملفات الدولية ستؤثر في حساباتها الانتخابية، لافتاً إلى أن الخلافات داخل الحزب الجمهوري نفسه، إلى جانب التحولات في المزاج الانتخابي، تشكل عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم مستقبل السياسة الأمريكية.

وأكد أن استمرار الأزمات الخارجية من دون نتائج واضحة قد يزيد الضغوط على الإدارة الأمريكية، خصوصاً إذا ترافقت التطورات العسكرية مع أعباء اقتصادية يشعر بها المواطن الأمريكي.

مبارك بيضون: التنافس الأمريكي الأوروبي قد ينعكس على لبنان

مبارك بيضون: التنافس الأمريكي الأوروبي قد ينعكس على لبنان
مبارك بيضون: التنافس الأمريكي الأوروبي قد ينعكس على لبنان

وانتقل بيضون إلى تداعيات هذه التحولات على لبنان، مشيراً إلى أن التباينات بين واشنطن والعواصم الأوروبية قد تنعكس على المبادرات الدبلوماسية المتعلقة بالمنطقة، ولا سيما الجهود الفرنسية الرامية إلى معالجة الملفات اللبنانية والإقليمية.

ولفت إلى أن التحركات الفرنسية في لبنان، بالتزامن مع التطورات الداخلية في فرنسا، تكتسب أهمية في ضوء النقاشات المتعلقة بالوضع الأمني والسياسي، ومستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل».

كما أشار إلى المواقف الإيطالية التي عبّرت عن الاستعداد للمساهمة في دعم الوجود الدولي في لبنان، معتبراً أن تعدد المبادرات الأوروبية يطرح تساؤلات حول مستقبل الدور الأوروبي في المنطقة، ومدى انسجامه مع الرؤية الأمريكية للترتيبات الأمنية والسياسية المقبلة.

وأكد بيضون أن لبنان لا يستطيع عزل نفسه عن الصراعات الدولية، لأن مستقبل الاستقرار في الجنوب اللبناني ودور القوات الدولية يرتبطان، إلى حد كبير، بالتفاهمات بين القوى الكبرى وبطبيعة التوازنات التي ستتبلور في المرحلة المقبلة.

من فرنسا إلى لبنان.. هل تتغير خريطة النفوذ الدولي؟

وختم بيضون بالإشارة إلى أن المشهد الدولي يشهد تحولات متشابكة، تبدأ من الاحتجاجات والأزمات الاجتماعية داخل أوروبا، وتمتد إلى الخلافات حول أوكرانيا وروسيا والتوترات مع إيران، وصولاً إلى مستقبل النفوذ الدولي في الشرق الأوسط.

وشدد على أن جوهر المرحلة يتمثل في الصراع على طبيعة النظام الدولي وحدود الهيمنة الأمريكية، في وقت تسعى فيه قوى أخرى إلى تعزيز حضورها وتوسيع هامش حركتها السياسية والاستراتيجية.

وبين الضغوط الداخلية التي تواجهها الحكومات الأوروبية، والحسابات الانتخابية الأمريكية، وتعقيدات الملفات الإقليمية، يبقى لبنان معرّضاً لتداعيات أي إعادة ترتيب للأولويات الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بالوجود الدولي في الجنوب ومستقبل اليونيفيل ومسار التسويات السياسية والأمنية في المنطقة.

شاركها.