بقلم: الإعلامية والكاتبة: زينب شقير
لم تعد قضية المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر مجرد ملف أمني ينتظر استكمال التحقيقات القضائية. فمع انتقال النقاش إلى مجلس الوزراء، وطرح إحالة القضية إلى المجلس العدلي، بدأت تتكشف أبعاد سياسية تتجاوز طبيعة المضبوطات ووجهتها، لتلامس أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان: العلاقة بين الدولة والمقاومة، وحدود السلطة في التعامل مع سلاح حزب الله بوجود الاحتلال، في لحظة إقليمية تتسم باختلال موازين القوى وتصاعد الضغوط الأميركية.
أما طرح إحالة القضية إلى المجلس العدلي فيكتسب دلالات تتجاوز الإجراء القضائي نفسه، خاصة أن هذا المجلس هو أعلى محكمة جنائية استثنائية في لبنان، وارتبط اسمه بملفات هزّت الأمن الوطني، من الاغتيالات السياسية إلى انفجار مرفأ بيروت الذي ظل محاطًا بعقبات سياسية وقضائية عطّلت مسار التحقيق لفترات طويلة.
ومن وجهة نظري، فإن المسألة الأكثر حساسية تتعلق بالوصف الذي سيُعطى للواقعة: هل نحن أمام أفعال تستهدف الأمن الداخلي؟ هل المتفجرات التي تم الاعتراف من قبل الجهة المعنية بها بأنها مخصصة لعمليات ضد قوات الاحتلال في الجنوب المفجوع، تشكل تهديدًا لأمن البلد؟
فالمطالبة بحصرية السلاح، من دون تقديم إجابات مقنعة عن التهديدات الخارجية والقدرة الدفاعية للدولة، تترك فجوة أساسية في النقاش الوطني.
وهذا من شأنه أن يثير مخاوف جدية من استخدام المسار القضائي في معركة تتجاوز حدود القانون… وعليه، نعود بالذاكرة إلى أيار ٢٠٠٨، عندما اصطدمت قرارات الحكومة بالخطوط الحمراء.
والتطورات الراهنة تعيد إلى الأذهان الأزمة التي شهدها لبنان عندما اتخذت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة قرارين يتعلقان بشبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله، ونقل رئيس جهاز أمن مطار بيروت العميد وفيق شقير من موقعه.
يومها، اعتبرت الحكومة أن شبكة الاتصالات تشكل تعديًا على سيادة الدولة، فيما كانت جزءًا أساسيًا من منظومة حزب الله الأمنية والعسكرية في مواجهة إسرائيل، وكان استهدافها يمس مباشرة بقدراته الدفاعية. عندها، لم يبقَ الخلاف في إطاره المؤسساتي، بل تحوّل إلى مواجهة مسلحة في بيروت ومناطق أخرى، عمّقت الانقسام الداخلي، قبل أن تنتهي إلى تسوية سياسية في الدوحة. لكن آثارها لا تزال حتى الآن.
استحضار تلك المرحلة لا يعني بالضرورة أن التاريخ يتجه إلى تكرار نفسه، خاصة أن المعادلات تبدّلت اليوم، وتعرّض الحزب لضغوط وخسائر كبيرة، وتغيّرت طبيعة علاقته بمؤسسات الدولة وبالبيئة الإقليمية المحيطة به.
ومع ذلك، فإن اختلاف موازين القوى لا يعني بالضرورة زوال الخطوط الحمراء، بل قد يجعل اختبارها أكثر خطورة.
فالقوى التي تعتقد أن تراجع قدرة خصمها العسكرية أو السياسية يمنحها فرصة لفرض وقائع جديدة عليه، قد تكتشف أن الضغط المتواصل لا يؤدي دائمًا إلى الاستسلام، وإنما قد يدفع إلى خيارات يصعب احتواء تداعياتها…
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز الدور الأميركي والسعودي بوصفه أحد المحددات الأساسية للمشهد اللبناني.
لكن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بما تريده واشنطن والرياض من حزب الله، بل بالثمن الذي قد تكونان مستعدتين لتحمّله لتحقيق ذلك.
وهل المطلوب ممارسة ضغط سياسي وقضائي وأمني متدرج، يهدف إلى تقليص قدرة الحزب على المناورة، أم الذهاب إلى مواجهة داخلية مفتوحة؟
وهل يمكن للسلطة اللبنانية أن تتحمل نتائج انتقال الصراع من المؤسسات إلى الشارع؟
هنا تظهر المفارقة الاستراتيجية: إذا كانت واشنطن تراهن على السلطة الحالية بوصفها شريكًا في إعادة ترتيب المشهد اللبناني، فإن انفجارًا داخليًا واسعًا قد يقوّض المؤسسات التي تحتاج إليها لتنفيذ هذه الرؤية.
بذلك، قد يصبح الإفراط في الضغط على حزب الله عاملًا يهدد المشروع السياسي نفسه الذي يُفترض أن الضغط يخدمه.
أما بالنسبة إلى حزب الله، فأمامه اليوم خيارات لا تشبه تمامًا تلك التي كانت متاحة له عام 2008.
فالخيار الأول هو الاستمرار في الاحتواء السياسي، وترك المسار القضائي يأخذ مجراه، مع الاعتراض على أي إجراءات يعتبرها استهدافًا لدوره العسكري. ويتيح هذا الخيار تجنّب استنزاف إضافي، لكنه قد يُفسَّر لدى خصومه باعتباره تراجعًا يسمح بمزيد من الضغط.
أما الخيار الثاني، فيتمثل في رفع مستوى المواجهة السياسية والمؤسساتية، عبر الحلفاء والكتل النيابية والاعتراضات القانونية، بهدف فرض حدود واضحة للتعامل مع الملفات المرتبطة بالمقاومة، من دون الانزلاق إلى مواجهة أمنية.
وثمة احتمال ثالث، أكثر خطورة، يتمثل في انتقال التوتر إلى الشارع أو حدوث احتكاكات أمنية تتجاوز قدرة الأطراف على ضبطها. غير أن كلفة هذا السيناريو ستكون مرتفعة على الحزب والدولة والمجتمع اللبناني، وقد تمنح خصوم المقاومة مبررات إضافية لتشديد الضغوط عليها.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يقتصر على ما إذا كان الحزب سيبقى صامتًا، بل يتعلق بكيفية تعريفه للخط الأحمر في الظروف الجديدة، وما إذا كان قادرًا على الدفاع عن موقعه السياسي والأمني من دون تكرار تجربة داخلية أثبتت خطورتها.
فالتاريخ اللبناني يُظهر أن القرارات السياسية التي تمس قضايا السلاح والأمن والتوازنات الطائفية لا تُقاس فقط بمدى قانونيتها، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على تنفيذها من دون تعريض السلم الأهلي للخطر.
إذًا، قد تنتهي قضية ضهر البيدر إلى مسار قضائي محدد، وقد تتراجع حدة السجال السياسي المحيط بها. لكن الأسئلة التي أثارتها لن تختفي بسهولة.
فلبنان يقف مجددًا أمام تناقض عميق بين مشروع يريد إعادة بناء سلطة الدولة على أساس حصرية القرار الأمني والعسكري، وواقع سياسي وعسكري فيه استمرار المقاومة ضرورة دفاعية في ظل التهديد الإسرائيلي وعدم توافر بديل وطني مكافئ.
وبين هذين التصورين، تتداخل حسابات الداخل مع رهانات الخارج، ويصبح أي قرار غير محسوب قابلًا للتحول إلى أزمة داخلية. وقد أثبت أيار ٢٠٠٨ أن محاولة فرض معادلات أمنية خلافية بقرارات سياسية يمكن أن تفتح الباب أمام انفجار داخلي، لكنه أثبت أيضًا أن اللجوء إلى السلاح في الداخل يترك جروحًا عميقة لا تمحوها التسويات بسهولة.
واليوم، وفي ظل موازين قوى مختلفة وبيئة إقليمية أكثر اضطرابًا، قد تكون كلفة تكرار تلك التجربة أكبر بكثير، وحتماً لا تستطيع البلاد تحمّل نتائجها.
