عاجل
ترامب: لن ندفع المزيد لإسرائيل والمساعدات ستتوقف بنهاية العامترامب لفوكس نيوز: ينبغي أن نحصل من #إيران على مكاسب أكبر مما حصلنا عليه من فنزويلاترامب لفوكس نيوز: لا أسعى إلى قتل أعداد كبيرة في #إيران بعد الانتخابات لكننا سنفعل ما يلزم إذا اضطررنا إلى ذلكترامب لفوكس نيوز: نراقب المنشآت النووية الإيرانية باستمرار وسنضربها مجددا إذا حاول أي شخص الوصول إليهاترامب لفوكس نيوز: الهجوم الذي نفذناه الليلة الماضية على #إيران كان محدودا ولا يمثل حربا واسعةقادة”معسكر التغيير”: جميع الأحزاب ستوصي الرئيس هرتسوغ بتكليف غادي آيزنكوت بالمهمة الأولى لتشكيل الحكومةالقوات المسلحة: استهدفنا تحشيدات العدو السعودي التابعة للضابط السعودي فارس الشمري شرقي محافظة الجوف بعدد من الصواريخ الباليستيةالقوات المسلحة: سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى وتدمير وإحراق عدد من الآليات نتيجة استهداف تحشيدات العدو شرقي الجوفترامب: لن ندفع المزيد لإسرائيل والمساعدات ستتوقف بنهاية العامترامب لفوكس نيوز: ينبغي أن نحصل من #إيران على مكاسب أكبر مما حصلنا عليه من فنزويلاترامب لفوكس نيوز: لا أسعى إلى قتل أعداد كبيرة في #إيران بعد الانتخابات لكننا سنفعل ما يلزم إذا اضطررنا إلى ذلكترامب لفوكس نيوز: نراقب المنشآت النووية الإيرانية باستمرار وسنضربها مجددا إذا حاول أي شخص الوصول إليهاترامب لفوكس نيوز: الهجوم الذي نفذناه الليلة الماضية على #إيران كان محدودا ولا يمثل حربا واسعةقادة”معسكر التغيير”: جميع الأحزاب ستوصي الرئيس هرتسوغ بتكليف غادي آيزنكوت بالمهمة الأولى لتشكيل الحكومةالقوات المسلحة: استهدفنا تحشيدات العدو السعودي التابعة للضابط السعودي فارس الشمري شرقي محافظة الجوف بعدد من الصواريخ الباليستيةالقوات المسلحة: سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى وتدمير وإحراق عدد من الآليات نتيجة استهداف تحشيدات العدو شرقي الجوف

خاص مركز بيروت للأخبار

بقلم: الدكتورة فاطمة المقداد- كاتبة وباحثة سياسية

لم يكن صعود اليمين المتطرف في إسرائيل تحولاً سياسياً مفاجئاً أفرزته نتائج انتخابية بعينها، بل جاء في سياق تاريخي طويل من التنافس بين التيارات الصهيونية، وتبدّل موازين القوة داخل الحركة التي قادت تأسيس الكيان، ثم داخل مؤسساته ومجتمعه. فمنذ نشأة الصهيونية الحديثة، لم يكن هناك تصور واحد لطبيعة الدولة المنشودة أو لحدودها أو لعلاقة الدين بالقومية، بل تعددت الاتجاهات بين من أعطى الأولوية للسياسة والعلاقات الخارجية ليوطد شرعيته، ومن ركّز على بناء المجتمع والمؤسسات، ومن ربط المشروع القومي بالمرجعية الدينية، ومن جعل القوة والسيادة الإقليمية الواسعة أساساً لتحقيقه. وقد انتهى هذا التنافس، في مراحله الأولى، إلى هيمنة الصهيونية العمالية على مؤسسات الحركة والدولة، قبل أن يبدأ مركز الثقل بالانتقال تدريجياً إلى اليمين القومي، ثم إلى تحالفات أكثر التصاقاً بالصهيونية الدينية والاستيطانية.

ولم يقتصر هذا الانتقال على تداول السلطة بين الأحزاب، بل امتد إلى بنية المجتمع، وتركيبة الجيش، ومؤسسات التعليم، وإدارة الموارد، وطبيعة الخطاب السياسي. ومن هنا تبرز الإشكالية: كيف انتقلت إسرائيل من هيمنة الصهيونية العمالية إلى صعود اليمين القومي والديني؟ وكيف تحولت المرجعيات التي حملتها هذه التيارات إلى نفوذ عملي داخل الدولة والمجتمع؟ وهل يعكس هذا المسار تغيراً في موازين القوى السياسية فحسب، أم إعادة تشكيل أعمق للمرتكزات التي يقوم عليها المشروع الصهيوني؟

أولاً: تعدد التيارات الصهيونية وتباين تصوراتها للمشروع القومي

تبلورت الصهيونية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، في سياق تصاعد القوميات الأوروبية. ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897 بقيادة تيودور هرتزل، انتقلت الفكرة الصهيونية إلى مرحلة التنظيم السياسي، وأصبح السعي إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين محوراً جامعاً للحركة. غير أن الاتفاق على هذا الهدف لم يؤدِّ إلى وحدة الرؤية بشأن طبيعة الكيان المنشود أو الوسائل اللازمة لتحقيقه؛ إذ ظهرت داخل الحركة اتجاهات فكرية وتنظيمية متباينة، عكست اختلافاً في فهم القومية اليهودية وعلاقة الدولة بالدين والمجتمع والحيز الجغرافي.

مثّلت الصهيونية السياسية التي ارتبطت بهرتزل اتجاهاً ركّز على انتزاع اعتراف دولي وشرعية سياسية للمشروع الصهيوني، من خلال الدبلوماسية والتفاوض مع القوى الكبرى. وفي مقابل هذا المنحى، برزت الصهيونية الثقافية التي ارتبطت بأحد هعام، ورأت أن بناء مركز ثقافي وروحي يهودي في فلسطين، يعيد إنتاج اللغة والهوية والثقافة اليهودية، لا يقل أهمية عن إقامة كيان سياسي. وهكذا دار أحد الخلافات المبكرة حول أولوية بناء الدولة والاعتراف بها، أم بناء المجتمع والثقافة اللذين يمنحانها مضموناً قومياً.

وفي مطلع القرن العشرين، تبلورت الصهيونية العمالية التي ربطت المشروع القومي بالعمل والاستيطان المنظم وبناء مجتمع يقوم على المؤسسات الجماعية والتعاونيات العمالية. ولم تكن الدولة في تصور هذا التيار مجرد إطار سياسي، بل ثمرة عملية اجتماعية واقتصادية تتولاها حركة منظمة، تقود الاستيطان وتبني أدوات الإنتاج والدفاع والإدارة. وقد أسهم هذا التيار في تأسيس مؤسسات مركزية داخل المجتمع اليهودي في فلسطين، وارتبط بقيادات مثل دافيد بن غوريون و بيرل كاتسنلسون، ثم بحزب «ماباي» الذي أصبح لاحقاً القوة السياسية الأساسية في مرحلة التأسيس.

وبالتوازي مع ذلك، تبلورت الصهيونية الدينية تنظيمياً مع تأسيس حركة «مزراحي» عام 1902 بقيادة الحاخام إسحاق يعقوب رينس. وقد سعت إلى الجمع بين القومية اليهودية والمرجعية الدينية، ورفضت الفصل الحاد بين المشروع القومي والتراث الديني. ومع ذلك، لم تكن الصهيونية الدينية في بداياتها كتلة متجانسة؛ فقد تفاوتت مواقف تياراتها من الحركة الصهيونية العلمانية، ومن المشاركة في مؤسساتها، ومن حدود التوفيق بين الاعتبارات الدينية والضرورات السياسية.

أما الصهيونية التصحيحية، فقد تبلورت في عشرينيات القرن الماضي بقيادة زئيف جابوتنسكي، اعتراضاً على نهج القيادة الصهيونية السائد، الذي اعتبره هذا التيار متدرجاً ومقيّداً في تحقيق الأهداف القومية. وشددت التصحيحية على السيادة اليهودية، والمطالب الإقليمية الواسعة، وبناء قوة عسكرية قادرة على فرض المشروع الصهيوني في مواجهة الرفض العربي. وقد عبّر جابوتنسكي عن جانب من هذه الرؤية في مقالته الشهيرة «الجدار الحديدي» عام 1923، التي انطلقت من أن الحركة الصهيونية لن تحقق أهدافها بالتعويل على قبول السكان العرب بالمشروع، بل ببناء قوة تجعل مقاومته غير قادرة على منعه. وتبلور الاتجاه تنظيمياً بتأسيس اتحاد الصهيونيين التصحيحيين عام 1925، وأصبح إرثه أحد المنابع الفكرية والسياسية لليمين الإسرائيلي، وصولاً إلى حركة «حيروت» بقيادة مناحيم بيغن، ثم حزب الليكود.

وعلى الرغم من اختلاف هذه التيارات في مرجعياتها ووسائلها، فقد التقت حول الفكرة المركزية المتمثلة في اعتبار اليهود جماعة قومية لها حق في تقرير المصير وإقامة كيان سياسي في فلسطين. لكن هذا التقاطع لم يلغِ التباينات الجوهرية بينها والتي ساهمت في ترسيخ واقع مجتمعي لليهود لم يكن يوما متجانسا.

ثانياً: من هيمنة الصهيونية العمالية إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة والمجتمع

لم تكن سيطرة الصهيونية العمالية مجرد تفوق انتخابي، بل ارتبطت بامتلاكها أدوات بناء المشروع الصهيوني قبل قيام إسرائيل. فقد سيطرت قياداتها على مؤسسات الاستيطان والتنظيم العمالي والدفاع، وكان لها حضور مركزي في الوكالة اليهودية و الهستدروت وقيادة الهاغاناه، التي شكلت لاحقاً أحد الأسس التي قام عليها الجيش الإسرائيلي. وبعد عام 1948، انتقلت هذه الأفضلية التنظيمية إلى مؤسسات الحكم، فقاد حزب ماباي الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وأصبح دافيد بن غوريون الشخصية المحورية في مرحلة التأسيس. وبذلك لم تكن الصهيونية العمالية مجرد تيار حاكم، بل القوة التي امتلكت النفوذ الأكبر في صياغة مؤسسات الدولة الناشئة، وتحديد لغتها السياسية والأمنية والاجتماعية.

استمرت هذه الهيمنة حتى انتخابات عام 1977، التي شكلت منعطفاً تاريخياً عُرف في إسرائيل (بالإنقلاب)، فوصل مناحيم بيغن، زعيم الليكود ووريث التيار التصحيحي، إلى رئاسة الحكومة، منهياً عقوداً من سيطرة حزب العمل وحلفائه على الحكم. لكن هذا التحول لم يكن وليد الانتخابات وحدها؛ فقد سبقته تراكمات سياسية واجتماعية، من بينها تراجع الثقة بالقيادة بعد حرب أكتوبر 1973، والفساد والأزمات التي طالت النخبة الحاكمة، إلى جانب شعور قطاعات من اليهود الشرقيين بالتهميش في ظل هيمنة النخبة العمالية ذات الغلبة الأشكنازية. وقد نجح حزب «حيروت» ثم الليكود في توسيع قاعدته الاجتماعية والتنظيمية، واستقطاب ناشطين من الأطراف والبلدات، بما أتاح له الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع القوة القادرة على الحكم.

غير أن انتقال الحكم إلى الليكود لم يكن يعني بعدُ أن اليمين الديني المتطرف أصبح القوة المهيمنة بصورته الحالية. فالتحول الأعمق أخذ يتشكل مع تداعيات حرب 1967، التي وضعت الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية، فقد رأت قطاعات من الصهيونية الدينية في السيطرة على الأراضي التي تعتبرها جزءاً من “أرض إسرائيل” تحقيقاً لمعنى ديني وتاريخي، لا مجرد مكسب عسكري أو ورقة تفاوضية. ومع تأسيس حركة “غوش إيمونيم” عام 1974، انتقل هذا التصور إلى مشروع استيطاني منظم، عمل على إنشاء تجمعات سكانية وشبكات اجتماعية ومؤسسات دينية وتعليمية في الضفة الغربية. وتشير دراسة( برنارد سوسر و موشيه هيلينغر و إسحاق هيرشكوفيتز) والتي تحمل عنوان:”الصهيونية الدينية والمشروع الإستيطاني: ” الأيديولوجيا، السياسة، والعصيان المدني”، والصادرة عام 2018، إلى أن انطلاق المشروع الاستيطاني بقيادة غوش إيمونيم شكّل نقطة تحول في الحياة السياسية الإسرائيلية، إذ جعل الاستيطان عاملاً مؤثراً في النقاش العام بشأن الدين والدولة وطبيعة الصهيونية والعلاقة مع الفلسطينيين.

ومع توسع هذه الشبكات، لم يعد الاستيطان مجرد سياسة حكومية قابلة للمراجعة، بل أصبح لدى قوى مؤثرة مشروعاً اجتماعياً وسياسياً يمتلك قواعده ومؤسساته وقياداته. فالمستوطنات لم تقتصر على تغيير الجغرافيا، بل أنتجت مجالس محلية وهيئات تمثيلية ومؤسسات تعليمية وشبكات ضغط، وأصبحت قادرة على التأثير في الأحزاب والائتلافات الحكومية. وبذلك انتقل جزء من المبادرة السياسية من مؤسسات الدولة المركزية إلى حركة استيطانية تملك حضوراً ميدانياً وقدرة على فرض قضاياها على جدول الأعمال الحكومي.

وقد اتسع هذا النفوذ بصورة أكثر مباشرة في الحكومة التي تشكلت أواخر عام 2022، حين حصلت قوى اليمين الديني والقومي على مواقع تنفيذية وصلاحيات مؤثرة في ملفات الاستيطان والأمن الداخلي. ففي إطار الاتفاقات الحكومية، مُنح بتسلئيل سموتريتش دوراً واسعاً في إدارة شؤون الاستيطان والتخطيط والأراضي في الضفة الغربية، إلى جانب توليه وزارة المالية. وفي عام 2023، أُنشئت إدارة الاستيطان ونُقلت إليها صلاحيات مدنية كانت تدار سابقاً من خلال الإدارة المدنية التابعة للجيش، كما جرى تعديل آليات الموافقة على إجراءات التخطيط الاستيطاني. وتكمن أهمية هذه الخطوات في أنها تجاوزت الخطاب المؤيد للاستيطان إلى إعادة توزيع الصلاحيات الإدارية ونقل أجزاء من إدارة الأرض والسكان إلى مسؤولين مدنيين إسرائيليين، بما عزز قدرة الحكومة على دفع التوسع الاستيطاني وتثبيت وقائع جديدة على الأرض.

ولم يقتصر التحول على ملف الاستيطان، بل امتد إلى طريقة إدارة الموارد العامة وتوجيه الإنفاق الحكومي. فالإئتلافات الإسرائيلية لا تتشكل على أساس التوافق السياسي فحسب، وإنما تقوم أيضا على تفاهمات تتعلق بتوزيع الموازنات والتمويل بين الأحزاب والقطاعات التي تمثلها. وقد ظهر ذلك بوضوح في موازنات حكومة نتنياهو من خلال تخصيص اعتمادات إضافية لشبكات التعليم الحريدي والمعاهد الدينية، إلى جانب تمويل مؤسسات ومشاريع مرتبطة بالإستيطان، فوفقا لدراسة (لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي) ارتفعت الأموال الموجهة إلى جماعات المصالح بصورة كبيرة في موازنة 2023-2024، لتصبح أكثر ارتباطا بأولويات الأحزاب المشاركة في الحكومة. وبذلك، لم يعد النفوذ الأيديولوجي مقتصرا على المشاركة في صنع القرار، بل بات ينعكس في توجيه المال العام، وتحديد القطاعات التي تحظى بالدعم والأولوية، بما يتيح لهذه القوى ترسيخ حضورها الإجتماعي والمؤسساتي على المدى الطويل.

وفي المؤسسة العسكرية، لم يقتصر التحول على زيادة عدد المنتمين إلى التيار الديني القومي، بل شمل تغيراً في مصادر التأثير داخل الجيش. فمنذ أواخر السبعينيات، ازداد حضور أبناء هذا التيار في صفوف الجيش، ولا سيما في الوحدات القتالية، بالتوازي مع انتشار المدارس الدينية العسكرية والأكاديميات التحضيرية للخدمة. وقد أسهمت هذه المؤسسات في إعداد جيل يرى الخدمة العسكرية جزءاً من الالتزام الديني والقومي، وربطت بين الاستيطان والخدمة القتالية والقيادة العسكرية. ويقدم عالم الاجتماع الإسرائيلي ياغيل ليفي في دراسته “تديين الجيش الإسرائيلي” تفسيراً مؤسسياً لهذه العملية؛ إذ يربطها بتوفير ترتيبات تسمح بخدمة الجنود المتدينين، ثم بتشكل كتلة مؤثرة منهم داخل الوحدات القتالية، وما يرافق ذلك من تزايد تأثير المرجعيات الدينية في بعض جوانب الحياة العسكرية. كما درس ليفي تدخل السلطات الدينية في مسائل الانتشار العسكري ومشاركة النساء ودور الحاخامية العسكرية.

ولا يعني ذلك أن الجيش أصبح مؤسسة متجانسة أيديولوجياً أو خاضعة بالكامل للتيار الديني القومي؛ فما زالت داخله تقاليد مهنية وأمنية وتباينات بشأن إدارة الحرب والعلاقة مع المستوى السياسي وحدود استخدام القوة. لكن ما يستحق الرصد هو تغير التركيبة الاجتماعية ومصادر التأثير داخل المؤسسة، واتساع حضور تيارات كانت أقل تمثيلاً في مراحل سابقة، وما يترتب على ذلك من تنافس بين النخب العسكرية التقليدية وقطاعات جديدة ذات مرجعيات دينية قومية. ويشير ليفي في دراساته عن العلاقات المدنية العسكرية إلى أن هذا التغير ارتبط أيضاً بتبدل أنماط التجنيد، وبالتوتر بين النخب العلمانية القديمة واليمين الديني الجديد حول النفوذ داخل الجيش.

أما في التعليم، فقد أخذ التحول شكلاً تراكمياً يتجاوز المناهج والرموز إلى بناء مؤسسات وشبكات لإعداد الأجيال والكوادر. فقد توسعت المدارس الدينية القومية، والأكاديميات التحضيرية للخدمة العسكرية، والبرامج التي تربط الهوية اليهودية بالخدمة الوطنية والاستيطان. وتكمن أهمية هذه المؤسسات في أنها لا تنقل المعرفة الدينية أو القومية فحسب، بل تنتج شبكات من العلاقات والقيادات التي تنتقل لاحقاً إلى الجيش والإدارة والسياسة والمجال العام. ومن هنا يصبح التعليم أحد المسارات التي تتيح للتيار الديني القومي تحويل حضوره الاجتماعي إلى نفوذ مؤسسي طويل الأمد.

وفي المجتمع، لا يمكن تفسير صعود اليمين باعتباره تحولاً في المواقف السياسية وحدها، فهو يرتبط بإعادة تشكيل الانقسامات الاجتماعية والهوية الإسرائيلية. وقد تناول عالم الاجتماع أوري رام هذه المسألة من خلال تحليل أربعة انقسامات رئيسية: القومي بين اليهود والفلسطينيين، والثقافي بين المتدينين والعلمانيين، والاقتصادي بين الأغنياء والفقراء، والإثني بين الأشكناز والشرقيين. ويرى رام أن تداخل هذه الانقسامات أسهم في التحول السياسي عام 1977، ثم في ترسيخ ثقافة سياسية نيوليبرالية وقومية في العقود التالية. أما يوآف بيلد، فيقدم في دراسته عن صعود الشعبوية القومية الإثنية في إسرائيل تفسيراً يربط القاعدة الاجتماعية لليمين بالتفاوتات الإثنية والطبقية، وبالشعور بالتهميش والتهديد الثقافي والأمني. ولا يعني ذلك أن جميع اليهود الشرقيين يتبنون المواقف نفسها أو أن الانتماء الإثني يحدد السلوك السياسي بصورة آلية، بل إن هذه العوامل أسهمت في إعادة تشكيل قواعد التمثيل والتحالف السياسي.

ويضيف عالم الاجتماع باروخ كيمرلينغ بعداً آخر لهذا التحول، من خلال تحليله تفكك الهوية الإسرائيلية الموحدة التي سعت النخبة المؤسسة إلى بنائها في العقود الأولى للدولة. ففي كتابه «اختراع الإسرائيلية وانحسارها»، يرى أن المجتمع الإسرائيلي أصبح يتكون من ثقافات وجماعات متعددة تتنافس على تعريف الهوية السياسية للدولة وعلى توزيع مواردها. وتفيد هذه المقاربة في فهم أن صعود اليمين لم يكن مجرد انتقال في القيادة الحزبية، بل جزءاً من تراجع الهيمنة الثقافية للنخبة المؤسسة وصعود هويات اجتماعية ودينية وقومية متنافسة.

أما اقتصادياً، فلا يصح القول إن اليمين المتطرف أعاد تشكيل الاقتصاد الإسرائيلي بأكمله وفق أيديولوجيته؛ فالاقتصاد ما زال مرتبطاً بقطاعات التكنولوجيا المتقدمة والاستثمار والأسواق الدولية، وهي قطاعات لها حساباتها ومصالحها الخاصة. لكن أثر التحالفات السياسية يظهر في الموازنات العامة، وفي تمويل المستوطنات والمؤسسات الدينية، وفي توزيع الإنفاق بين القطاعات، وفي الخلاف حول أعباء الخدمة العسكرية والمشاركة في سوق العمل. وهنا تبرز مفارقة بين اقتصاد يحتاج إلى قاعدة إنتاجية واسعة ومشاركة أكبر في سوق العمل، وبين تفاهمات ائتلافية فرضت التزامات مالية واجتماعية مما أدى إلى زيادة الضغط على الموازنة وتعمق الخلاف بشأن توزيع الأعباء بين فئات المجتمع.

وهكذا، لم يحدث التحول نحو اليمين عبر صناديق الاقتراع وحدها، بل من خلال مسار متعدد المستويات: توسع استيطاني خلق وقائع ميدانية، وصلاحيات حكومية نقلت القرار إلى قوى أكثر تشدداً، وموازنات أعادت توجيه الموارد، وشبكات تعليمية واجتماعية أنتجت أجيالاً تحمل مشروع ديني، وحضور متنامٍ للصهيونية الدينية داخل القطاعات. وهذه المظاهر هي التي تفسر كيف انتقلت المرجعيات الفكرية التي تشكلت داخل الحركة الصهيونية إلى نفوذ عملي داخل الدولة والمجتمع.

ثالثاً: نتنياهو والصهيونية الدينية: دوافع التحول وحدوده ومآلاته

ثالثاً: نتنياهو والصهيونية الدينية: دوافع التحول وحدوده ومآلاته
ثالثاً: نتنياهو والصهيونية الدينية: دوافع التحول وحدوده ومآلاته

إذا كان عام 1977 قد دشّن انتقال السلطة من الصهيونية العمالية إلى اليمين القومي، فإن المرحلة التي يمثلها بنيامين نتنياهو تكشف انتقالاً آخر، من يمين تقليدي يستند أساساً إلى القومية التصحيحية والحسابات الأمنية والسياسية، إلى تحالف أوسع يضم قوى دينية واستيطانية تتبنى تصورات أكثر تشدداً. نعم لم ينشئ نتنياهو وحزبه هذه القوى، كما لم يكن مسؤولاً عن جميع التحولات الاجتماعية والمؤسسية التي سبقت وصوله إلى الحكم، لكنه أسهم في ترسيخ دعائم صعودها، ومنحها فرصاً أوسع للانتقال من موقع التأثير إلى المشاركة المباشرة في صناعة القرار.

تقوم العلاقة بين نتنياهو وهذه القوى على تقاطع المصالح أكثر مما تقوم على التطابق الأيديولوجي الكامل. فهو ينتمي سياسياً إلى إرث الصهيونية التصحيحية، التي تعطي الأولوية للقومية والسيادة والقوة، لكنه وجد في الأحزاب الدينية القومية والاستيطانية حلفاء قادرين على توفير قاعدة ائتلافية تضمن استمرار حكمه. وفي المقابل، وجدت هذه الأحزاب في نتنياهو فرصة للوصول إلى مواقع تنفيذية لم تكن قادرة على بلوغها منفردة، وتوسيع نفوذها في ملفات الاستيطان والأمن والتعليم والإدارة العامة. وقد تجسد هذا التقاطع بوضوح في حكومة أواخر عام 2022، التي منحت شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير مواقع وصلاحيات مؤثرة. وهكذا تحولت العلاقة من تحالف انتخابي إلى شراكة في إدارة ملفات الدولة، بما أتاح للقوى الأكثر تشدداً ترجمة جزء من برامجها إلى قرارات وسياسات.

لكن دوافع هذا التحول لا تقتصر على حسابات نتنياهو الشخصية أو متطلبات تشكيل الحكومات. فهناك عوامل بنيوية أعمق، في مقدمتها التحولات الديموغرافية والاجتماعية، وتراجع مكانة النخبة العمالية القديمة، وتوسع القاعدة الاجتماعية للتيارات الدينية القومية، واستمرار الصراع وتوظيف الخطاب الأمني واستدعائه عند كل استحقاق سياسي.

وأعاد هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب التي تلته تشكيل البيئة السياسية والأمنية داخل إسرائيل. فقد أحدث الهجوم صدمة عميقة في التصورات الإسرائيلية المتعلقة بالأمن والردع وحماية الحدود، ووسع حضور الخطاب الذي يربط الأمن بالحسم العسكري واستخدام القوة وإعادة تشكيل البيئة المحيطة بإسرائيل. وقد وفرت هذه الظروف مساحة أوسع للقوى القومية والدينية لتقديم تصوراتها بشأن غزة والضفة الغربية ومستقبل الفلسطينيين، بما في ذلك الدعوات إلى التهجير وإعادة الاستيطان وفرض السيادة الإسرائيلية.

مع ذلك، لا يعني اتساع نفوذ اليمين الديني والقومي أن المجتمع الإسرائيلي أصبح كتلة أيديولوجية واحدة، أو أن هذا التيار قادر على فرض خياراته دون قيود. فهناك تباينات بين اليمين التصحيحي التقليدي واليمين الديني الاستيطاني، وبين الحسابات البراغماتية لقيادة الليكود والتصورات العقائدية لبعض حلفائها. كما توجد خلافات بين المتدينين القوميين والحريديم والعلمانيين حول الخدمة العسكرية والاقتصاد والتعليم وطبيعة العلاقة بين الدين والدولة. وتكشف الاحتجاجات والخلافات داخل المؤسسة العسكرية والأمنية أن مراكز القوة الإسرائيلية ليست متطابقة في رؤيتها لإدارة الحرب أو تحديد أهدافها أو تقدير كلفتها.

خاتمة

إن صعود اليمين المتطرف في إسرائيل ليس ظاهرة طارئة يمكن تفسيرها انطلاقا من العملية الانتخابية أو بظروف ائتلافية عابرة، بل هو حصيلة مسار تاريخي انتقلت خلاله مراكز النفوذ من الصهيونية العمالية إلى اليمين القومي، ثم إلى قوى دينية واستيطانية استطاعت توسيع حضورها داخل الدولة والمجتمع. وما يميز المرحلة الراهنة ليس مجرد اتساع التمثيل السياسي لهذه القوى، بل قدرتها على تحويل مرجعياتها إلى سياسات وإجراءات يتسع ويتنامى نفوذها في المجتمع بكافة طبقاته.

ومن هنا، فإن قراءة التحول الإسرائيلي تقتضي التمييز بين استمرارية بعض المرتكزات الفكرية للمشروع الصهيوني وبين التغير الذي طرأ على القوى التي تتولى تفسيرها وتطبيقها. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً هو ما إذا كان هذا التحول سيستقر بوصفه بنية سياسية واجتماعية جديدة، أم أن التناقضات التي يثيرها داخل المجتمع والجيش والاقتصاد ستعيد إنتاج أزمات داخلية متراكمة تدفع بتوظيف العمل العسكري وتوسيع نطاق الصراع كمحاولة لتجاوز هذه الأزمات في ظل مشروع أيديولوجي ذي طموحات إقليمية توسعية؟؟

شاركها.