الأردن أمام الخطر الإسرائيلي: عندما يصبح «الوطن البديل» مشروعاً ممكناً لا مجرد كابوس قديم
كتب باسم الموسوي
قد يبدو غريباً، في خضم الحرب الإقليمية الدائرة مع إيران، أن يكون القلق الأكبر في عمّان موجهاً إلى إسرائيل لا إلى طهران. فالأردن تعرّض خلال الأشهر الماضية لسقوط صواريخ ومسيّرات إيرانية، ويستضيف قواعد وقوات أميركية جعلته جزءاً عملياً من البنية العسكرية التي تخوض الحرب ضد إيران، حتى وإن كانت المملكة نفسها حريصة على القول إنها لا تريد أن تكون طرفاً فيها. ومع ذلك، فإن الخوف الحقيقي الذي يطغى داخل مؤسسات الدولة الأردنية لا يرتبط بمستقبل الحرب مع إيران بقدر ما يرتبط بسؤال أكثر خطورة: ماذا سيحدث للأردن إذا قررت إسرائيل ضم الضفة الغربية؟
هذه هي الفكرة المركزية التي يطرحها الباحث شون يوم في تحليله عن الأردن: أن الحرب الإيرانية، مهما كانت كلفتها، تبقى في نظر عمّان أزمة أمنية يمكن احتواؤها، بينما يمثل ضم الضفة احتمالاً يمسّ تركيب الدولة الأردنية نفسها، ديموغرافياً وسياسياً واقتصادياً.
المشكلة بالنسبة إلى الأردن ليست الضم بوصفه تغييراً في الخرائط فقط. الخطر الفعلي هو ما قد يليه من تهجير فلسطيني واسع شرقاً، أي باتجاه الأردن. وهنا تعود إلى الواجهة واحدة من أقدم الهواجس في السياسة الأردنية: فكرة «الوطن البديل»، أي تحويل الأردن عملياً إلى الدولة الفلسطينية عبر تفريغ أجزاء متزايدة من فلسطين من سكانها ودفعهم إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن.
لسنوات طويلة، تعامل كثيرون مع هذا الاحتمال باعتباره شعاراً أيديولوجياً تستخدمه تيارات اليمين الإسرائيلي أو هاجساً أردنياً مبالغاً فيه. لكن التحولات داخل إسرائيل تجعل المسألة اليوم مختلفة. فالضم لم يعد فكرة هامشية لدى مجموعات المستوطنين، بل أصبح جزءاً من الخطاب السياسي الإسرائيلي العام، فيما تتراجع مكانة حل الدولتين، وتتوسع المستوطنات، وتتعاظم السيطرة الإسرائيلية القانونية والإدارية على أراضي الضفة.
لهذا لم يعد السؤال الأردني هو ما إذا كانت إسرائيل قادرة على ضم أجزاء من الضفة، بل ما حجم الضم وكيف سينعكس على السكان الفلسطينيين.
السيناريو الأقل تطرفاً يتمثل بضم المنطقة «ج»، التي تشكل قرابة ثلثي مساحة الضفة الغربية، إضافة إلى القدس الشرقية. حتى هذا السيناريو، الذي قد يبدو من الناحية الشكلية أقل راديكالية من ضم الضفة كاملة، سيحوّل المدن الفلسطينية إلى جيوب مكتظة ومحاصرة ومنفصلة بعضها عن بعض، ويقضي عملياً على إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
ومع مرور الوقت، ستصبح الحياة الاقتصادية والاجتماعية في هذه الجيوب أكثر صعوبة، ما يخلق ضغطاً متواصلاً للهجرة. الوجهة الطبيعية بالنسبة إلى نسبة كبيرة من الفلسطينيين لن تكون أوروبا أو الخليج، بل الأردن، بسبب الجغرافيا والروابط العائلية والتاريخ المشترك.
حتى التقديرات الأردنية المتفائلة تتحدث عن احتمال انتقال مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى المملكة في حال تنفيذ ضم واسع للمنطقة «ج». أما السيناريو الأكثر تطرفاً، أي انهيار السلطة الفلسطينية وضم مساحات أكبر أو كامل الضفة، فقد يعني موجة نزوح أكبر بكثير.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.
الأردن ليس دولة يمكن فصل استقرارها عن التوازن الفلسطيني ـ الأردني داخلها. فمنذ عقود، يقوم النظام السياسي والاجتماعي على معادلة شديدة الحساسية: أبناء العشائر والأصول الشرق أردنية يشكلون العمود الفقري للجيش والأجهزة الأمنية والبيروقراطية، فيما يلعب الأردنيون من أصول فلسطينية دوراً كبيراً في الاقتصاد والقطاع الخاص والمدن الكبرى.
هذه المعادلة ليست مجرد توزيع اجتماعي للأدوار، بل جزء من البنية التاريخية التي حافظت عليها الملكية الهاشمية منذ أحداث أيلول الأسود عام 1970.
ولهذا فإن وصول مئات آلاف الفلسطينيين الجدد لا يعني ببساطة زيادة عدد السكان. إنه يعيد فتح السؤال الذي حاول النظام الأردني تأجيله منذ نصف قرن: من هو الأردني، وما حدود الهوية السياسية للدولة، وما موقع الفلسطينيين فيها؟
بالنسبة إلى بعض التيارات الشرق أردنية، يمثل النزوح الفلسطيني الكبير تهديداً مباشراً لموقعها داخل الدولة ولمصادر النفوذ والوظائف والتمثيل السياسي. أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن سقوط مشروع الدولة الفلسطينية يعني تغيراً جذرياً أيضاً. فعندما تختفي إمكانية قيام دولة غرب النهر، يصبح السؤال عن الحقوق السياسية الكاملة داخل الأردن أكثر إلحاحاً.
وهكذا يمكن لمشروع الضم الإسرائيلي أن يفجر تناقضات حاولت الملكية الأردنية إدارتها طوال عقود.
من هنا نفهم سبب تمسك عمّان تاريخياً بقيام دولة فلسطينية مستقلة. المسألة لم تكن تعبيراً عن التضامن مع الفلسطينيين فقط، بل كانت أيضاً جزءاً من استراتيجية بقاء الدولة الأردنية نفسها. وجود دولة فلسطينية غرب النهر يحدد الحدود السياسية والديموغرافية للمملكة، بينما انهيار المشروع الفلسطيني يعيد فتح سؤال الوطن البديل بكل ثقله.
وثمة مشكلة اقتصادية لا تقل خطورة. فالأردن يعاني أصلاً مستويات مرتفعة من الدين العام والفقر والبطالة، ولا سيما بطالة الشباب. وقد تحمل خلال العقدين الماضيين موجات لجوء ضخمة من العراق وسوريا. لكن موجة فلسطينية جديدة ستكون مختلفة جذرياً.
العراقيون والسوريون بقوا، في المنظور السياسي الأردني، لاجئين يمكن نظرياً أن يعودوا إلى بلدانهم. أما الفلسطينيون الذين يُدفعون خارج الضفة بعد ضم أراضيهم فلن تكون لديهم دولة يعودون إليها. ولذلك ستتحول الأزمة سريعاً من ملف لجوء إلى قضية مواطنة وهوية وتمثيل سياسي.
إلى ذلك، قد يخسر النظام الهاشمي أحد أهم مصادر شرعيته التاريخية: الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. فالضم الإسرائيلي الكامل أو السيطرة المباشرة على القدس الشرقية سيضعف الدور الأردني الذي احتفظت به الأسرة الهاشمية منذ عقود، وهو دور يتجاوز رمزيته الدينية إلى موقع الأردن داخل النظام الإقليمي.
لكن ما يجعل الخطر أكثر جدية هو أن الأردن نفسه لا يملك الأدوات الكافية لمنعه.
تستطيع عمّان إلغاء معاهدة السلام الموقعة مع إسرائيل عام 1994. تستطيع قطع العلاقات، وإغلاق المعابر، وحشد الجيش على الحدود، بل والتهديد بإعادة النظر في الوجود العسكري الأميركي داخل المملكة. لكن كل هذه الإجراءات لا تضمن وقف حركة نزوح ضخمة من الضفة الغربية.
الحدود الأردنية ـ الفلسطينية ليست كالحدود المصرية مع غزة. مصر تستطيع إغلاق معبر رفح وتشديد السيطرة على منطقة حدودية محدودة جغرافياً، خلفها صحراء سيناء الواسعة. أما الأردن فيواجه الضفة عبر حدود طويلة من الوديان والتلال ومجرى النهر، لا تبعد أجزاء منها سوى عشرات الكيلومترات عن العاصمة عمّان.
وفي حال اندفعت أعداد كبيرة من الفلسطينيين شرقاً، سيكون من الصعب على الجيش الأردني إغلاق الحدود بالكامل، والأصعب سياسياً وأخلاقياً أن يطلق النار لمنع فلسطينيين كثير منهم يملكون أقارب وعائلات داخل المملكة.
المفارقة أن الأردن، الذي يعتبر أحد أكثر حلفاء الولايات المتحدة استقراراً في المنطقة، قد يجد نفسه عاجزاً عن حماية استقراره من سياسات حليف أميركي آخر هو إسرائيل.
وهنا تحديداً يظهر التحول الكبير في البيئة الإقليمية.
تاريخياً، كانت إسرائيل نفسها ترى في استقرار الأردن مصلحة استراتيجية. المملكة شكّلت حاجزاً جغرافياً وسياسياً بينها وبين العراق وسوريا والجزيرة العربية، وحافظت على أطول حدود إسرائيلية هادئة تقريباً. لذلك كان جزء معتبر من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يعتبر سقوط النظام الأردني كارثة استراتيجية.
لكن ميزان الحسابات الإسرائيلي يتغير.
حماس أُضعفت إلى حد كبير، وحزب الله تلقى ضربات قاسية، وسوريا لم تعد تشكل الجبهة العسكرية التي كانت عليها سابقاً، والعراق غارق في أزماته الداخلية، بينما تخوض إيران حرب استنزاف مع الولايات المتحدة. وبالتوازي، حصلت إسرائيل على تطبيع مع عدة دول عربية عبر اتفاقات أبراهام.
داخل هذا التصور الجديد للقوة الإسرائيلية، قد يبدو الأردن أقل أهمية مما كان عليه سابقاً. تستطيع إسرائيل، بحسب تصور التيار التوسعي، أن تتعامل مع حدود شرقية مضطربة عبر الجدران والقوات والاحتلال المباشر لغور الأردن.
وهنا تصبح العقيدة الدينية ـ القومية للاستيطان أكثر أهمية من الحسابات التقليدية للأمن القومي. بالنسبة إلى التيار الذي يرى الضفة الغربية «يهودا والسامرة»، لا يعود السؤال: هل ضم الضفة مفيد استراتيجياً؟ بل: لماذا يجب التخلي عن أرض يعتبرها هذا التيار جزءاً من الوعد التوراتي خوفاً على استقرار الأردن؟
وهذه هي النقطة التي تجعل المخاوف الأردنية مختلفة اليوم.
فالضم لم يعد مشروع أقلية هامشية. جزء كبير من السياسة الإسرائيلية انتقل في اتجاه رفض الدولة الفلسطينية، فيما تتوسع المستوطنات وتتزايد عمليات طرد الفلسطينيين والاستيلاء على الأراضي. وعندما تصبح الفكرة جزءاً من التيار السياسي العام، يتحول ما كان احتمالاً نظرياً إلى مسار ينبغي للدول المحيطة الاستعداد له.
لذلك تراقب عمّان واشنطن بقلق شديد.
فالولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي تملك فعلياً قدرة كافية على ردع إسرائيل عن خطوة بحجم ضم الضفة أو فرض تهجير واسع للفلسطينيين. لكن المشكلة الأردنية هي أن الثقة بالضمانة الأميركية نفسها اهتزت.
تتذكر القيادة الأردنية جيداً أن واشنطن واصلت دعم إسرائيل خلال حرب غزة رغم الكارثة الإنسانية الهائلة. كما تتذكر أن ترامب سبق أن طرح فكرة استقبال الأردن ومصر فلسطينيين من غزة، قبل أن يعلن لاحقاً معارضته ضم الضفة.
بالنسبة إلى عمّان، يبقى السؤال: ماذا سيحدث عندما تتعارض مصلحة الأردن الاستراتيجية مباشرة مع مشروع حكومة إسرائيلية مدعومة من قوى نافذة داخل الولايات المتحدة؟
فالأردن حليف أميركي مهم، لكنه يعرف أيضاً أن ترتيب الأولويات في واشنطن لا يضعه في مستوى إسرائيل.
من هنا يمكن فهم المفارقة الأساسية في المشهد الأردني اليوم. الصواريخ الإيرانية تمر فوق سمائه، والقواعد الأميركية المنتشرة فيه تجعله عرضة لهجمات مرتبطة بحرب لم يخترها، لكن الدولة لا ترى في إيران الخطر الأكبر على بقائها.
إيران تستطيع أن تضرب قاعدة عسكرية. تستطيع الحرب الإقليمية أن تسبب أزمة أمنية أو اقتصادية أو احتجاجات شعبية. لكن الضم الإسرائيلي المحتمل للضفة يمكن أن يعيد صياغة الأردن نفسه.
وهذا هو الفارق بين تهديد أمني وتهديد وجودي.
الأول يمكن احتواؤه بالدفاعات الجوية والمساعدات الأميركية والأجهزة الأمنية. أما الثاني فيضرب تعريف الدولة وحدودها وتركيبتها الديموغرافية وموازينها الاجتماعية ومصادر شرعيتها في آن واحد.
لهذا قد يكون السؤال الأكثر أهمية في مستقبل الأردن ليس ما الذي ستفعله إيران، بل ما إذا كانت إسرائيل ستقرر أخيراً أن تحل المسألة الفلسطينية على الضفة الشرقية لنهر الأردن.
عندها لن يكون «الوطن البديل» شعاراً يخيف الأردنيين، بل مشروعاً جيوسياسياً يجري فرضه بالقوة.
والمفارقة الأشد أن الولايات المتحدة التي تعتبر استقرار الأردن ركناً من أركان نظامها الإقليمي قد تجد نفسها أمام نتيجة صنعتها سياسات حليفها الإسرائيلي: زعزعة واحدة من أكثر الدول العربية ارتباطاً بها، لا بفعل إيران التي تخوض ضدها الحرب، بل بفعل إسرائيل التي تخوض الحرب إلى جانبها.
