انكشاف القواعد وتراجع الردع: معضلة الاستراتيجية الأميركية في المواجهة مع إيران
انكشاف القواعد وتراجع الردع: معضلة الاستراتيجية الأميركية في المواجهة مع إيران
صحيفة البناء: بقلم حسن حردان
تطرح المواجهة الأميركية الإيرانية تساؤلات متزايدة حول حدود التفوق العسكري الأميركي وقدرة واشنطن على حماية قواعدها ومصالحها في المنطقة، في ظل تطور أساليب الحرب غير المتكافئة وارتفاع كلفة العمليات العسكرية. وفي قراءة تحليلية، يناقش الكاتب حسن حردان في صحيفة البناء انعكاسات هذه التحديات على الردع الأميركي وثقة الحلفاء، وصولاً إلى تأثيرها المحتمل في موازين القوى العالمية ومستقبل النظام الدولي.
يركز حسن حردان في مقاله على ثلاثة محاور أساسية: التحديات العسكرية التي تواجه الولايات المتحدة، والانعكاسات الاستراتيجية على علاقاتها بحلفائها، والتداعيات المحتملة على توازنات القوة الدولية.
في المحور الأول، يسلط الكاتب الضوء على صعوبة حماية القواعد العسكرية الثابتة في مواجهة أساليب الحرب غير المتكافئة، ولا سيما الطائرات المسيّرة والصواريخ البالستية. ويرى أن انخفاض تكلفة بعض وسائل الهجوم مقارنة بكلفة المنظومات الدفاعية المتقدمة يفرض تحدياً مالياً وعملياتياً على القوات الأميركية.
كما يناقش حردان ما يصفه بالاستنزاف المالي والعسكري، معتبراً أن الأضرار التي قد تلحق بالقواعد والمنشآت والمعدات، إلى جانب الحاجة إلى إعادة تمركز القوات، يمكن أن تزيد الأعباء اللوجستية وتؤثر في سرعة الاستجابة العسكرية.
أما على مستوى الدور الأميركي العالمي، فيرى الكاتب أن استمرار هذه التحديات قد يثير تساؤلات لدى الحلفاء الإقليميين بشأن قدرة واشنطن على توفير الحماية، خصوصاً إذا أصبحت القواعد المستضافة على أراضيهم مصدر مخاطر أمنية إضافية. ويربط ذلك أيضاً بالضغوط التي قد تتعرض لها الموارد العسكرية الأميركية المخصصة لمناطق أخرى، بما فيها أوروبا ومنطقة المحيط الهادئ.
وفي المحور الثالث، يتناول المقال تأثير تطور الصواريخ والمسيّرات في مفاهيم التفوق العسكري التقليدي، مشيراً إلى أن كلفة الحرب وطول أمدها قد يتحولان إلى عاملين يحدّان من قدرة الولايات المتحدة على خوض مواجهات استنزاف طويلة.
ويخلص المقال إلى أن هذه التحولات، وفق رؤية الكاتب، قد تفتح المجال أمام تعزيز تعددية الأقطاب الدولية، وتمنح القوى المنافسة لواشنطن فرصاً أوسع لتوسيع نفوذها. غير أن تقييم حجم هذا التحول يبقى مرتبطاً بالوقائع الميدانية، وحجم الخسائر الفعلية، وقدرة الأطراف المعنية على التكيف مع طبيعة المواجهة.
المواجهات والتوترات العسكرية الأخيرة مع إيران
تواجه الولايات المتحدة الأميركية تحوّلات عميقة ومقلقة في بيئة الأمن القومي، حيث كشفت المواجهات والتوترات العسكرية الأخيرة مع إيران عن ثغرات هيكلية في العقيدة العسكرية الأميركية القائمة على التفوق المطلق.
أولاً: أسباب التحديات العسكرية
واستراتيجية الضعف الأميركي
1 ـ معضلة القواعد الثابتة مقابل الحرب غير المتكافئة: اعتمدت الاستراتيجية الأميركية لعقود على بناء شبكة واسعة من القواعد العسكرية المتقدمة بالقرب من مناطق النفوذ لفرض ردع سريع. غير أنّ إيران وظفت استراتيجية تعتمد على الردع غير المتكافئ (الاعتماد على الطائرات المُسيّرة رخيصة الثمن، الصواريخ البالستية، وتكتيكات الأسراب)، مما حوّل هذه القواعد من “أدوات لفرض القوة” إلى “أهداف مكشوفة ومكلفة” يصعب حمايتها بشكل كامل.
2 ـ النزيف المالي والخسائر المادية الباهظة: أظهرت التقارير الرسمية وتقييمات البنتاغون تكبّد القوات الأميركية خسائر مادية جسيمة شملت تدمير أو تضرّر عشرات الطائرات المتقدّمة (مثل طائرات الاستطلاع والمقاتلات)، فضلاً عن أضرار بالغة لحقت بالبنى التحتية للمنشآت والمقار الدبلوماسية والعسكرية في المنطقة بمليارات الدولارات. هذا يبرز الفارق الكبير في التكلفة لصالح إيران؛ حيث تكلف طائرة مُسيّرة أو صاروخ رخيص جزءاً ضئيلاً جداً مقارنة بكلفة المنظومات الأميركية المستهدفة أو صواريخ الاعتراض الباهظة.
3 ـاضطرار واشنطن لإعادة التمركز: لجأ الجيش الأميركي إلى عمليات نقل احترازي للقاذفات الاستراتيجية والمعدات الحساسة لمسافات بعيدة (مثل قاعدة دييغو غارسيا أو الملاذات الآمنة نسبياً) تجنّباً للضربات الإيرانية الدقيقة، وهو ما أدّى إلى إطالة دورات الإمداد اللوجستي وتراجع سرعة وكفاءة الاستجابة العملياتية.
الانعكاسات على الدور الأميركي العالمي
ثانياً: الانعكاسات على الدور الأميركي العالمي
1 ـ تآكل الردع والمصداقية: أثبتت التطورات أنّ القدرة التدميرية الهائلة لواشنطن لم تعد كافية وحدها لردع الخصوم الإقليميين عن توجيه ضربات مباشرة ومؤلمة للوجود الأميركي، مما خلق حالة من “الشك الإقليمي” لدى الحلفاء بشأن قدرة واشنطن على توفير مظلة حماية موثوقة.
2 ـ تصدّع الثقة لدى الحلفاء الإقليميين: باتت الدول المضيفة للقواعد الأميركية بالمنطقة تعيد حساباتها بجدية؛ إذ أصبحت ترى أنّ استضافة القوافل والقواعد الأميركية تضعها في خط النار وتجعلها عرضة للتداعيات، مما قد يدفعها للحدّ من استخدام أراضيها في أيّ عمليات أميركية مستقبلية.
3 ـ التداعيات على الجبهة الأوروبية والآسيوية: تحذيرات الدوائر الاستراتيجية (مثل ما أشارت إليه “ذا هيل” وغيرها) تتعلق بأنّ استنزاف المخزون العسكري الأميركي، والضغط على منظومات الدفاع الجوي، واستنزاف الموارد في الشرق الأوسط، يقلل من هامش المناورة المتبقي لردع قوى كبرى منافسة أخرى مثل الصين في منطقة الهادي أو روسيا في أوروبا.
ثالثاً: التداعيات على موازين
القوة العسكرية العالمية
1 ـ سقوط تفوّق المنظومات التقليدية المطلقة: أثبتت الحروب الحديثة أنّ التفوق الجوي والبحري التقليدي لم يعد مطلقاً في ظلّ انتشار تكنولوجيا المُسيّرات والصواريخ الموجهة، مما يفرض إعادة هندسة كاملة لمفهوم الدفاع الجوي والصاروخي (التحوّل نحو التدريع الفعلي وإلغاء الاعتماد المفرط على القواعد الكبرى المكشوفة).
2 ـ صعود “تكلفة الحرب” كعامل ردع عكسي: باتت التكلفة الاقتصادية الباهظة للعمليات وطول أمدها تشكل قيداً سياسياً واستراتيجياً داخلياً في الولايات المتحدة، مما يضعف قدرة الإدارات الأميركية المتعاقبة على خوض حروب استنزاف طويلة ومفتوحة.
3 ـ تعزيز تعددية الأقطاب: الاستنزاف الأميركي يمنح قوى منافسة مثل الصين وروسيا ميزة استراتيجية؛ إذ يظهر عجز واشنطن عن حسم الصراعات الإقليمية بالشكل الذي يرسخ هيمنتها المنفردة على النظام الدولي، مما يدفع نحو نظام عالمي أكثر تعدداً وأقلّ خضوعاً للقواعد الأمنية التي تقودها واشنطن…