لم تعد الأجواء اليمنية ساحة مفتوحة أمام الطائرات الحربية السعودية، كما لم يعد التفوق التكنولوجي والعسكري الذي راهنت عليه الرياض طوال سنوات العدوان كافياً لحسم المعركة. فالتطور المتسارع في قدرات الدفاعات الجوية اليمنية فرض معادلات ميدانية جديدة، نقلت المواجهة من مرحلة التصدي للغارات إلى مرحلة تهديد التفوق الجوي السعودي.
وبحسب المصادر، فإن الدفاعات الجوية اليمنية تمكنت من إسقاط خمس وعشرين طائرة حربية ومسيرة، والتصدي لأربعين تشكيلاً قتالياً، منذ انتهاء مرحلة خفض التصعيد. هذه الأرقام تعكس تحولاً نوعياً في القدرة على التعامل مع التهديدات الجوية، وتكشف حجم التحديات التي باتت تواجه الطيران السعودي في الأجواء اليمنية.
ولعل إسقاط المقاتلة السعودية من طراز (إف خمسة عشر) في أجواء مأرب، شكل إحدى أبرز محطات هذا التحول، خصوصاً مع الحديث عن استخدام صواريخ أرض جو محلية الصنع، بما يؤشر إلى تطور القدرات الدفاعية اليمنية رغم سنوات الحرب والحصار. هذا التطور لا تقتصر تداعياته على الخسائر العسكرية ، بل تمتد إلى الحسابات الاستراتيجية للرياض. فكل طائرة يجري إسقاطها، وكل تشكيل جوي يجبر على إعادة حساباته، يعني ارتفاع كلفة العمليات الجوية والبرية. والمعادلة الجديدة لا تقوم على حماية الأجواء اليمنية فحسب، بل على فرض كلفة مقابلة لأي تصعيد، بما يضع الرياض أمام خيارات أكثر تعقيداً من مجرد توسيع الغارات العسكرية.
وبينما كانت تراهن السعودية على تفوقها التسليحي والدعم الخارجي، تؤكد التطورات الميدانية أن امتلاك أحدث الطائرات لا يضمن السيطرة على السماء، وأن استمرار المواجهة قد يفاقم الاستنزاف العسكري والاقتصادي، من دون تحقيق الأهداف السياسية المرجوة. هكذا، لا تبدو معركة الأجواء اليمنية مجرد مواجهة بين طائرات وصواريخ، بل صراعا على قواعد الاشتباك وموازين الردع.. صراع تحول فيه صنعاء التطور الدفاعي إلى معادلة استراتيجية جديدة، تفرض على الرياض إعادة حساباتها، وتضع مستقبل التصعيد أمام واقع عسكري مختلف.
