*  بقلم: د.فاطمة المقداد 

الانتخابات الإسرائيلية: بين أزمات الداخل ومعضلة الأمن

مع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 تشرين الأول 2026، تتجاوز المنافسة السياسية مسألة بقاء نتنياهو في رئاسة الحكومة، لتطرح تساؤلات أعمق حول مستقبل اليمين الإسرائيلي وقدرته على الاحتفاظ بأغلبيته، وحدود التغيير الذي يمكن أن تحدثه المعارضة في اتجاهات السياسة الإسرائيلية.

فالانتخابات تجري في سياق تتداخل فيه تداعيات السابع من أكتوبر والحروب التي أعقبتها، والانقسامات الداخلية، مع أزمة الثقة بالقيادة السياسية والمؤسسة الأمنية. من هنا، لا يقاس الاستحقاق الانتخابي بهوية الفائز، بل بما إذا كان سيؤدي إلى تغيير في السياسات الإستراتيجية، أم إلى إعادة ترتيب مراكز السلطة داخل المنظومة السياسية نفسها.

خريطة حزبية متباينة وأهداف مشتركة

لا يمكن فهم الانتخابات الإسرائيلية من خلال ثنائية الحكومة والمعارضة وحدها، فالخريطة الحزبية تعكس تباينات أيديولوجية ومصلحية داخل المجتمع الإسرائيلي، لكنها تكشف أيضا عن تقاطعات تتجاوز الانقسام بين المعسكرين. يضم اليمين الإسرائيلي قوى قومية ودينية تتباين في أولوياتها، من الليكود بقيادة نتنياهو إلى حزبي إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، فضلا عن الأحزاب الحريدية التي تجعل قضايا الهوية الدينية والإعفاء من الخدمة العسكرية والامتيازات المخصصة لمجتمعها جزءا أساسيا من حساباتها السياسية، ولا تتطابق مصالح هذه القوى في جميع الملفات، كما أن التنافس بينها تحول إلى عامل أضعف قدرة نتنياهو على تشكيل ائتلاف متماسك.

أما المعارضة، فتضم تيارات وسطية ويمينية وعلمانية ويسارية، تختلف في قضايا إدارة الدولة، والسياسات الداخلية، وموقع الأحزاب الدينية في النظام السياسي، ومع ذلك، لا يعني هذا أن التنوع أن جميع مكوناتها تتبنى تصورا بديلا جذريا للصراع مع الفلسطينيين أو لمكانة القوة العسكرية في السياسة الإسرائيلية. ويظهر هذا التمايز بوضوح في الموقف من الاستيطان والأمن والحرب. فبينما تتباين القوى السياسية بشأن سرعة التوسع الاستيطاني، أو كلفة المواجهات الإقليمية، لا تتبنى القوى الرئيسية في المعارضة تصورا يقوم على إنهاء الحرب أو الاستيطان، كذلك تشهد أطراف المعارضة تنافسا داخليا على قيادة المعسكر ورئاسة الحكومة القادمة، إلا أن آيزنكوت يتصدر المشهد المعارض.

في هذا السياق يسعى نتنياهو إلى الحفاظ على موقعه مستندا إلى خبرته السياسية، وإلى خطاب يجعل الأمن والتهديدات الإقليمية في صدارة خيارات الناخبين، في المقابل تحاول المعارضة تحويل الانتخابات إلى مساءلة سياسية لنتنياهو وحكومته، مستفيدة من الاعتراضات على أدائه، ومن المطالب المتعلقة بالمحاسبة وإصلاح مؤسسات الدولة، غير أن الخلاف بين الطرفين لا يعني بالضرورة أننا أمام مشروعين متناقضين ، فإسرائيل اليوم ليست أمام مراجعة الخيارات الإستراتيجية، بل إلى استبدال قيادة تسعى إلى تحقيق الأهداف نفسها ولكن بأدوات أكثر فعالية.

الحرب في حسابات نتنياهو الانتخابية

تمنح الانتخابات الأطراف الإسرائيلية حافزا لتقديم التصعيد بوصفه دليلا على الحزم. إزاء ذلك، يسعى نتنياهو في خطابه الانتخابي على رفض أي حلول أو تسويات في ساحات القتال المفتوحة، وعلى مواصلة التصعيد اليومي في جبهات القتال لاسيما في غزة ولبنان، فالحكومة الحالية تسعى إلى توظيف الملف الأمني لإثبات قدرتها على فرض الوقائع، فيما لا تطرح قوى المعارضة تحولا جذريا في الأهداف العسكرية والأمنية، لكن، لا يعني ذلك الذهاب إلى حرب واسعة، ولا تضمن أيضا خفض التصعيد، إذ قد تفضل القيادة الإسرائيلية استمرار الضغط العسكري المحسوب لتجنب كلفة مواجهة مفتوحة، مع إبقاء التهديد قائما بوصفه أداة انتخابية. المتغير الأساسي ليس اقتراب موعد الانتخابات وحده، بل قدرة التنافس السياسي والضغط الأميركي على تحويل التصعيد إلى هدن هشة، بدل من إبقائها غطاءا لاستمرار المواجهة.

وفي المقابل، لا يمكننا إغفال قدرة نتنياهو على قلب المعادلات في اللحظات الأخيرة، فقد بنى مسيرته السياسية على استثمار الأزمات الأمنية وتحويلها إلى رصيد انتخابي، ولذلك لا يستبعد كثير من المراقبين أن يحاول استثمار أي تصعيد عسكري أو أمني لإعادة توحيد معسكر اليمين خلفه، مستفيدا من حقيقة جوهرية أن الناخب الإسرائيلي يميل إلى الشخصية المتطرفة التي تملك خبرة أمنية طويلة، ولعل التجربة الإسرائيلية أثبتت أن الانتخابات تحسم نتائجها تحت تأثير الضغط الأمني وليس من خلال البرامج الاقتصادية أو الاجتماعية، وهي الورقة التي أتقن نتنياهو استخدامها طوال حياته السياسية، خصوصا أن هذه الانتخابات تمثل له الغطاء السياسي لمواجهة المسار القضائي، وخروجه من السلطة يعني تجريده من ” الدرع السياسي” الذي كان يحميه من طوال السنوات الماضية.

فوفقا للقوانين الإسرائيلية، ينحسر مصيره قضائيا إذا خسر بخيارين:

-المسار القضائي ومواجهة السجن الفعلي، حيث سيفقد القدرة على المماطلة وتأجيل جلسات المحاكمة وسيضطر للمثول أمام المحكمة الجنائية لمواجهة التهم الموجهة إليه( الرشوة، الاحتيال، وخيانة الأمانة) ، مما يؤدي إلى سجنه فعليا لعدة سنوات، خاصة في قضية الرشوة المعروفة بالملف 4000.

-مسار “صفة الادعاء” والتسوية القضائية ( الاعتزال مقابل العفو)، وهذا السيناريو يتردد بقوة وهو رفضه سابقا نتنياهو ولكنه يمثل مخرجه الوحيد إذا ما خسر، وهو عبارة عن صفقة تتضمن اعترافه ببعض التهم الأخف وطأة واعتزاله العمل السياسي نهائيا.

إذا، تكشف الانتخابات الإسرائيلية عن أزمة تتجاوز شعبية نتنياهو إلى صعوبة إنتاج أغلبية مستقرة وإعادة ترتيب القيادة داخل اليمين والمعارضة معاً. وقد تفتح النتائج الطريق أمام حكومة جديدة، أو تعيد إنتاج الانسداد، أو تدفع إلى تحالف تفرضه الظروف الأمنية. لكن رحيل نتنياهو، إن حدث، لا يعني بالضرورة تحولاً جذرياً في السياسات الإسرائيلية؛ فالمعيار الحقيقي سيكون في طبيعة الائتلاف البديل، وموقفه من الحرب والأمن والاستيطان والتي تحظى بإجماع سياسي بين المعسكرين، فالمعارضة تقوم على فكرة استبدال نتنياهو، لا على استبدال سياساته ببديل يختلف عنه جوهريا.

 

  • (كاتبة وباحثة سياسية)
شاركها.