نجيب وميقاتي ودوره في عودة الانتظام العام، تحسين المؤشّرات الاقتصاديّة والاستقرار النقدي
من أهم العوامل التي تسهم في تحقيق التّعافي المالي في لبنان وعودة الازدهار الاقتصادي هو عودة الانتظام العام إلى كلّ الإدارات العامّة وخاصّة إلى المؤسسات الدّستوريّة، لذلك فإنّ وجود حكومة فاعلة وناشطة تبثّ الروح في الانتظام العام وتوحي بالثقة الكبيرة مما يرخي بظلاله على العديد من المؤشرات المالية والاقتصاديّة، فنجد آثارها في الواقع المعيشي الملموس. من هذا المنطلق، يسعى الرئيس ميقاتي وبكلّ ما أؤتي من قوّة وفي ظل انهيار تاريخي غير مسبوق على كافّة المستويّات إلى الحفاظ على وحدة الحكومة عبر التضامن الحكومي في معظم الملفّات إن لم يكن في جميعها، بل وعلى الميثاقية الوطنيّة التي بها يتمّ الحفاظ على السلم الأهلي. يتّهمه البعض زورًا وبهتانًا بتكريس أعراف وقواعد دستوريّة، وهو أبعد ما يكون عن القيام بذلك، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر إجراء جلسة حكوميّة في الديّمان. مع أن الفكرة بدأت من أحد الوزراء ووافقه عليها أحد المطارنة، وذلك عبر تحويل الجلسة التشاوريّة مع غبطة البطريرك الرّاعي حول بندين مصيرين وهما: النّزوح السّوري والمثليّة إلى جلسة حكوميّة رسميّة، مع أن الرئيس ميقاتي شخصيًا لم يحبّذ الفكرة تجنبًّا لحساسيّات بعض القوى السّياسية من منطلق طائفي ومذهبيّ.
يمكن تلمّس انعكاسات تفعيل الانتظام العام من خلال المؤشّرات التّاليّة:
- الانتهاء من إعداد موازنة 2023: وقد يطرح البعض أن القانون ينصّ على إعدادها في العام 2022 وليس الآن، ولكن تغافل هؤلاء عن مسألة غاية في الأهمية وهي أنّنا في أزمة كسرت كلّ القواعد الطبيعيّة، ونحن أمام ظرف غير طبيعي. ويبدو أنّ هؤلاء تناسوا أو تغافلوا أنّهم عندما كانوا في الحكم لم يستطيعوا إعداد سنتين من الموازنة 2020 و2021. فإذا كان الخيار بين لا موازنة من الأساس وبين موازنة وإن أتت متأخرة، طبعًا الخيار الثاني هو الأفضل والأسلم.
- تحقيق الاستقرار النّقدي والسّعي إلى المحافظة عليه: ونلمس ذلك من خلال تحسّن في سعر صرف الليرة اللبنانيّة مقابل الدولار منذ نهاية آذار الماضي، وما لذلك من راحة نفسيّة للشعب اللبناني والحفاظ على مستوى معيشتهم.
- الحفاظ على استمراريّة أهم مؤسّسة عامّة وهي مصرف لبنان: وقد أصبح معروفًا للقاصيّ والدّاني أن الرئيس ميقاتي هو وحده من حمل كرة النّار الملتهبة في هذه القضيّة، وهو من أخذ على عاتقه الانتقال السّلس للحاكميّة من أجل الحفاظ على حالة الستاتيكو النقدي، ومنع الانهيار الكبير والارتطام الذي يُفتّت البلد.
- التحسّن في بعض المؤشّرات الاقتصادية: أظهر تقرير بنك عودة للفصل الثاني من العام 2023 أن النصف الأول من العام الجاري 2023 تحسّنًا طفيفًا في أداء القطاع الحقيقي نتيجة الارتفاع البسيط في الاستهلاك الخاص بينما يبقى الاستثمار الخاص واهناً، إن التحسّن في القطاع السياحي خصوصاً ساهم في دعم الاستهلاك المحلي بشكل عام. ومن بين المؤشرات التي سجّلت نموّاً إيجابياً خلال النصف الأول من العام على سبيل المثال لا الحصر عدد المسافرين عبر مطار بيروت (+23.2%) وحجم البضائع المستوردة عبر المطار (11.5%) وعدد السياح (+29.0%) وحجم البضائع في مرفأ بيروت (+1.9%). وعلى صعيد القطاع الخارجي، ظهر فائض في ميزان المدفوعات بقيمة 1.2 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2023، والذي أعقب عجزاً مقداره 3.2 مليارات دولار في العام 2022. ويُعزى هذا الفائض إلى نموّ الموجودات الخارجية الصافية لدى المصارف بقيمة ملياري دولار في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام.
- التحسّن النسبيّ في المؤشرات الأمنيّة وانعكاسها على السّياحة: فقد تراجعت نسبة الجرائم في الاشهر الثلاث الأولى من عام 2023 على الشكل التّالي: 28.2% تراجع في جرائم القتل، 40.5% في جرائم السّرقة، 25% تراجع في جرائم الخطف لقاء فدية. وقد أرخى هذا الأمر بظلاله على المغتربين والسيّاح مما دفعهم إلى القدوم في موسم الصّيف إلى لبنان. حيث تشر الأرقام إلى وصول أكثر من مليونيّ سائح وما يؤثّر ذلك على حركة البيع والشراء، والمطاعم والفنادق، وإدخال الفريش دولار إلى لبنان وتحريك عجلة الدورة الاقتصاديّة فيه.
- انتظام العام الدّراسي: استطاع الرئيس ميقاتي بحنكة وحكمة من إعادة الانتظام إلى العام الدّراسي إلى برّ الأمان، مع اقتناعه بأحقّية الأساتذة في مطالبهم ولكن ظروف البلد وإمكانية الدولة لا تسمح بأكثر من ذلك. وتمّ الانتهاء من الشّهادة الرسميّة حيث تقدّم أكثر من 43,000 طالب للامتحان بها وما يمثّل ذلك من الحفاظ على الرأسمال البشري.
الرئيس ميقاتي يحرص الحرص الشّديد على تفعيل عمل الحكومة ليس من باب التّعدّي على الصّلاحيّات، وإنّما من منطلق مالي واقتصادي مهم حول دور الحكومة في تحسين الوضع المالي والاقتصادي والاجتماعي.