كتب ألبير خوري

في ليل أمس، انكشف الواقع اللبناني على مشهد أسود، كنا نظن أنه انتهى ولن يعود.
الانقسامات سيدة الشارع والساحات، وهي كما كان حالها في الحرب الأهلية، تعرض ذاتها وتكشّر عن أنيابها عند أقل حادث، ولو طارئ، فتنكشف خلايا نائمة في نفوس ضعيفة ومرتهنة لهذا الزعيم أم ذاك، أو لتلك القوى دون غيرها.
أمس مأدبة عشاء عادية حوّلت ساحتي جل الديب وانطلياس الى حلبة صراع بين أنصار الثورة وأنصار السلطة، تبادل الفريقان خلالها الاتهامات وأبشع الكلام من فج عميق، ولولا تدخل الجيش في اللحظة المناسبة، لصار الكلام رصاصاً يصيب الفريقين، خصوصاً وأن احدى المتظاهرات ادّعت أن فريق “التيار العوني الحر” أتى بسيارة مدججة بالسلاح للدفاع عن النائب زياد أسود صاحب المأدبة حليف السلطة تحت القبة البرلمانية.
انتهى الحادث على خير. انسحب النائب الأسود ومثله فعل انصار السلطة وأنصار الشارع.. لكن النار استمرت متأججة تحت الرماد، تنذر بعواقب وخيمة تهدد البلاد بمزيد من الانهيار، والعباد بمزيد من الفقر جراء الغلاء الفاحش وتدهور العملة الوطني وارتفاع نسبة البطالة من جهة أولى، وثانية، في ظل ما تسرّب من معلومات عن ميزانية “ملغومة” وافقت عليها حكومة الرئيس حسان دياب “زوراً” إن جاز القول، على اعتبار أنها “ملكية خاصة” للحكومة السابقة، ما ألهب الثوار غضباً، ولا بدّ أن ترتفع نسبة غضبهم، عندما تتقدم الحكومة ببيانها الوزاري لنيل الثقة، يحتمل توقيعها، لا بد أن يحظى كخطوة اولى بثقة رئيس الجمهورية في الجلسة الحكومية التي تعقد غداً في بعبدا برئاسته، ولاحقاً في جلسة الثقة النيابية يوم الخميس المقبل، التي يتوقع عقدها وسط تدابير أمنية مشددة حشدت وزارتا الداخلية والدفاع المئات إن لم يكن الآلاف من القوى العسكرية والامنية، فضلاً عن السواتر الاسمنتية والحديدية لتمريرها والمضي بها ولو على ظهر الثوار وبطونهم.
وتبعاً لما تسرّب من معلومات حول بيان الثقة المزمع تلاوته الثلاثاء المقبل تحت القبة البرلمانية، فإن الأمور تؤشر الى المزيد من التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويترتب عليها فقط مصير الحكومة ومعارضيها فحسب، إنما مستقبل البلاد والغالبية الساحقة من المواطنين، الفقراء وأصحاب الدخل المحدود، الذين يوماً بعد آخر يجدون أنفسهم بين كماشة سلطة متسلطة مالياً ونقدياً تتحكّم بلقمة عيشهم المرهونة للمصارف والصيارفة وحيتان المال والسياسة.
وما انكشف في مقدمة البيان الوزاري الإنشائية كما في بنوده يفضح ضعف صانعيه وعجزهم الأكيد عن تنفيذ ما يعدون به في تجربة المئة يوم من حكومة الإنقاذ، إلاّ إذا اتكلوا على مقولة “سيري فعين الله ترعاك”، أو لبّى دعوتهم “مارد علاء الدين وفانوسه السحري”!.. حينها يصبح المستحيل ممكناً، وفي لبنان كل شيء ممكن.
وبانتظار هذه المعجزة التي لن تتوفر أبداً لأهل السلطة والحكومة، فإن ما تسرّب من معلومات يؤكد أن أهل الحكم وأهل الثورة خطان متوازيان يستحيل لقاؤهما وفق خطة انقاذية قابلة للتنفيذ، وحيث الطرفان مصممان على التصعيد والمضي قدماً في مسارهما، وإن بدت السلطة الأكثر هشاشة وتصدعاً.
تؤكد ذلك مسودة البيان الوزاري التي جرى تسريبها لمعرفة رد فعل الحراك الشعبي حولها. فالحكومة تعرّف نفسها بأنها مستقلة ونزيهة وشفافة.
مستقلة عمّن وهي حكومة اللون الواحد، وقد عيّن في فريق من افرقاء 8 آذار فيها وزراء تابعين له، وتلك حقيقة لا يمكن اخفاؤها لا على الداخل ولا على الخارج.
أما النزاهة والشفافية، فهذا ما سوف يحدده آداؤها وليس بالتأكيد بيانها الوزاري.
تبقى حقيقة دامغة بأن شرعية هذه الحكومة، وإن حصلت عليها في جلسة الثقة، منقوصة وملغومة لدى غالبية اللبنانيين، من هم في الشوارع والساحات، أم أولئك المستقلين في بيوتهم ومتاجرهم ومصانعهم.. والسؤال: كيف لحكومة أن تقلّع وتنقذ بلداً على شفير الانهيار من دون هذه الشرعية لتنفيذ برامج ومشاريع تتطلب العديد من السنين؟

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com