كتب ألبير خوري
يهدأ الشارع حيناً وينتفض أكثر الأحيان.. وبين الحالين، تستمر مطالب الثوار بالتغيير والإصلاح، وصولاً الى ترسيخ أسس دولة عادلة تؤمن لمواطنيها المقوّمات الأدنى لحياة مستقرة تسقط فيها المحاصصات السياسية والسلطوية، يتقاسمها الحكّام فيما بينهم منذ نيّف وثلاثة عقود مضت، وهي مستمرة على نهجها بما أوصل الغالبية الساحقة حتى حافة الفقر، إن لم يكن الفقر نخر جيوبها وأفواهها وصحتها النفسية والجسدية.
لو كان لنا أن نصدّق اتهامات النائب (ة) المستقلة بولا يعقوبيان، في ما كشفته أخيراً في حلقة “صار الوقت” مع الزميل مارسيل غانم على شاشة “أم تي في”، لزدنا قناعة على أن الثورة مستمرة، وستزداد ضغطاً على السلطة، بما تملكه من وسائل شرعية أقرّتها شرعة حقوق الإنسان وكفلت تنفيذها مهما بالغت السلطة في ظلمها تحت شعار حماية السلم الأهلي وانزلاق البلاد الى الفراغ والفوضى.
بدت النائب (ة) يعقوبيان، وهي مصرّة على تاء التأنيث، تأكيداً منها على مساواة المواطنين ذكوراً وإناثاً، بحقوقه وواجباته في دولة يحكمها دستور وقوانين، “أخت الرجال” في توصيفها للثورة الحضارية وثوارها في وقفتهم الموحدة، ضد الظلم والجوع، وحكومة متشنجة عن سابقتها التي دفعت المواطنين الى الشوارع والساحات. يؤكد ذلك جلسة إقرار الموازنة، وحيث حضر رئيس الحكومة الجديد حسان دياب وحيداً وبدون وجه حق، لإقرارها وتمريرها الى حكومته، علماً بأن هذه الميزانية هي التي أودت بحكومة الرئيس سعد الحريري، وكشفت عورات السلطة وتماديها في تعذيب المواطنين، في حين يمرّر المسؤولون أصحاب المليارات ثرواتهم المنهوبة من عرق الناس، خارج البلاد. وتساءلت يعقوبيان: عن استراتيجية حكومة دياب المالية والتعددية والاقتصادية لمساعدة المواطنين وإخراجهم من معاناتهم المعيشية الآنية والمستقبلية المرشحة لمزيد من الانهيار والعبث السلطوي بمقدرات البلاد.
أظهرت يعقوبيان، “الذهبية الفم” إن جاز التعبير شجاعة وصدقاً لم يعتد المواطن سماعها من قبل على لسان أحد المسؤولين. اتهمت السلطات مجتمعة بتبني سياسة عبثية مشلولة عاجزة عن الإنقاذ مهما أوتيت من دعم خارجي وداخلي..
هي ثورة جياع تصفها يعقوبيان اعتماداً على أرقام لطالما شكّلت لدى المسؤولين كما تقول، وحيث يومياً تعلن عشرات المؤسسات والشركات عن عمليات صرف جماعي في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية وسقوط قيمة الليرة اللبنانية أمام سعر صرف الدولار. يترافق ذلك مع غلاء فاحش وصلت نسبته في أحيان كثيرة الى أكثر من مئة بالمئة على بعض السلع. وإذا كان سوء الطالع قد لازم من فقدوا أعمالهم في الثلاثة شهور الأخيرة، فإن من لا يزالون في أعمالهم حتى اليوم ليسوا أفضل حظاً، لأن كثيرين منهم تعرضوا لاقتطاعات كبيرة في رواتبهم، عدا عن أن القيمة الشرائية للرواتب تراجعت أساساً بنحو ثلاثين بالمئة ولم تعد تكفي أكثر من رغيف الخبز، وما يؤشر الى عودة ثلاثة أرباع اللبنانيين الى “نظام السخرة” الذي ساد والنظام الاقتصادي العالمي قبل قرون.
ليس في هذه المقارنة مزايدة أو محاولة عاطفية لتبرير الثورة في انتفاضة أبنائها، إنما واستناداً الى تقرير أعدته وكالة “فيتش” العالمية للتصنيف الانتمائي يتناول أنماط في الاستهلاك والتجزئة في لبنان خلال الفترة 2019 – 2023. وأشارت الوكالة الى مليون ونصف مليون أسرة متوسط عدد أفرادها 4,1 يعملون جميعاً، فإن مدخول الفرد منهم لا يتعدى 678 دولاراً سنوياً، وانطلاقاً من سعر صرف الدولار على أساس 2300 ليرة تكون القيمة الفعلية للأجر قد تراجعت الى 650 دولاراً في السنة. وبعملية حسابية بسيطة، يتبين أن عمل اللبناني قد لا يكفيه حرفياً ليأكل خبزاً، انطلاقاً من المصاريف الاخرى غير لقمة الخبز التي أودت به الى ما دون حافة الفقر. الصورة قاتمة ومرعبة غذائياً وصحياً وتعليمياً، إضافة الى الديون المتراكمة على كثير من الاسر، اعتباراً من أن اللبناني يعيش منذ سنوات تفاوتاً كبيراً بين مداخيله ونفقاته، ما فرض على الغالبية الكبرى من الاسر العيش في مديونية كبيرة، كانت المصارف أبرز المستفيدين منها عبر التشجيع على الاقتراض.
ثورة الجياع آتية سريعاً وستأخذ موقعها الرائد على الساحة اللبنانية.. هذا ما عبّر عنه الشارع أمس ومنذ ما يزيد عن مئة يوم، وما سوف يعبّر عنه في الاسابيع والشهور المقبلة، وما يؤكد أن الثورة لن توقف صوتها مهما بلغت التحديات ومواقف السلطة المضادة لها، إلا إن بدّلت السلطة مواقفها، ونزعت عنها سلطتها الى غير عودة لقيام نظام نظيف وعلمي يأخذ البلاد الى الأمن والسلام والعدالة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com