علي رباح _ باحث سياسي ومدرب في التنمية الادارية
انطلقت المقاومة في لبنان قبل التحول التاريخي الذي حصل في ايران، فالكل يعرف ان الصراع العربي _ الاسرائيلي قديم بقدم وعد بلفور، ومخططات سايكس بيكو، والمداولات السرية التي حصلت في مؤتمر فرساي بخصوص اسرائيل الكُبرى أو العُظمى (علماً إن لكل مصطلح مصداق مختلف على صعيد تأسيس الكيان)، ولم تُدرج في البيان الختامي لخطورتها.
حتى فجر عام 1979 كانت ايران خارج معادلة هذا الصراع، سوى أنها حليف استراتيجي للأميركي ومن ورائه الاسرائيلي، وجاءت ثورة روح الله الموسوي لتقلب كل المعادلات، وتعيد ترتيب الاصطفافات، ولتعلن من يومها الاول، بعد أن ازالت سفارة الكيان الاسرائيلي المحتل من العاصمة طهران لتحل محلها سفارة فلسطين، أنها مع قضايا المستضعفين بوجه الاستعمار والاستكبار.
لاقت الثورة آمال المظلومين، انطلاقاً من رؤية دينية وانسانية مقدسة ترى في نصرة المظلوم واجباً شرعياً وأخلاقياً، فكان الدعم الكبير للشباب المقاوم في لبنان وفلسطين، وتمظهر هذا الدعم بالمال والسلاح وغيره مما يمكن ان يساعد في تحرير بلادنا العربية والاسلامية من الطغمة السرطانية.
نقاشنا في هذه العجالة سيكون حول المال، الذي يُقدم من الاموال الشرعية، بحسب الفقه الاسلامي، لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي وكل من يقف وراءه، ولأن التعاملات الخارجية ووفق مبدأ بريتون وودز هي بالدولار، كان الاضطرار ان تكون المساهمات بالدولار (أبقانا الله لنشهد انهياره وسقوطه)، ولن تكون بالتأكيد بالتومان او بالسجاد العجمي ..
ولمّا بدأنا نسمع وشوشات وانتقادات وتهكم حول من يتقاضون حقوقهم بالدولار، رغم أن لا دخل لهم بقضية ارتفاع سعر صرفه مقابل الليرة، وحرصاً منا على توضيح بعض الامور التي لا بد أن يعرفها الجميع، وجدنا أنه من الانسب أن ننقل لكم بضع كلمات صادرة من القلب من اخ مقاوم أحب وطنه والتزم مبادئه، وواجه الغزاة، وتكبد الجراح التي اقعدته الى اخر عمره على كرسي متحرك،..
يقول الاخ:
1. منذ ما يُقارب ال 40 عاماً، ونحن نعاني اشد المعاناة، من تشرد وحمل دم على الكف، وتعب، وجراح، وسقوط شهداء، يُضاف الى ذلك مستوى معيشي صعب، حيث كان يتبقى من حقوقنا النذر اليسير الذي بالكاد يكفي أدنى مقومات العيش، وصبرنا ولم نُسمِع احدٌ أنيننا.
2. ما أن ارتفعت قيمة الدولار، حتى بدأنا نشعر بالخجل، لأننا نتقاضى الحقوق بالدولار، وقد رُفِع اقتراح للقيادة لتحويل الحقوق الى العملة اللبنانية، فرفضت، وأحسنت حين رفضت، على قاعدة ان هذه الاموال تساهم في ضخ الدولار في السوق، وتسهم في إنعاش الاقتصاد الى حدٍ ما، ومن جهةٍ أخرى إن تحولت هذه الحقوق الى العملة الوطنية فسيرتفع سعر صرف الدولار الى مستويات جنونية، وليس اقل من 50 الف ليرة للدولار الواحد، على قاعدة ان الاميركي سيأخذ مداه في عملية التلاعب بسعر الصرف والحصار لخنق الجميع وتركيعهم.
3. إن الاخوة وعلى مر عقود، وبسبب وضعهم المعيشي الصعب، تراكمت عليهم ديوناً كبيرة، وكنت الشاهد على الكثير منهم عندما يتبقى من حقوقهم ال 16 $ وال 23$ ليعيش بها كل الشهر، والان وبعد ان ارتفعت قيمة “السايب ال $” بدأ الكثير منهم في ايفاء ديونهم الهائلة، وهذا بحد ذاته امر جيد.
4. ان الازمة المالية في لبنان والتي بدأت منذ اكثر السنة، افقدت الكثير من الاقارب من الدرجات المختلفة، المحيطين بالاخوة المتفرغين، أعمالهم ومصادر رزقهم، وقد بدأ هؤلاء الاخوة بمساعدة ذويهم واقاربهم ومحيطهم، وهذا واجبهم، لأنهم ارتبطوا بأخلاق محمد وال محمد واخلاق الانبياء الكرام، ومن لم يُبادر للمساعدة فليغتنم الفرصة لإظهار جمال تربية الاسلام، الا إن كان هناك من مانعٍ جدي، كإيفاء الديون او غيره ..
5. إن جزءاً يُعتد به من المساعدات التي تقدمها المقاومة للمجتمع هي فعلياً من موازنات العمل التي كانت تقدم للاخوة لانجاز اعمالهم، حيث ارتأت المقاومة التخفيف من هذه الموازنات الى حد تصفيرها، وتيسير الامور العملية في بعض الملفات غير الاستراتيجية كيفما كان كرمى اهلنا وناسنا، وهذا واجبنا واقل الواجب، تجاه الكرام الطيبين.
ايها الاعزاء، لا يغرنّكم كلام أصحاب مشاريع الفتنة، الذين يريدون تفتيت هذا المجتمع، والقضاء على نقاط قوته خدمة لمشاريع شرق اوسطية جديدة، وفق استراتيجيات وتكتيكات مختلفة، جربوا الحرب العسكرية وفشلوا، جربوا الحرب الامنية فما أفلحوا، وهم الآن يجربون الجيل الخامس من الحروب حيث يعملون على احتلال العقول وتوجيهها عن بعد بشكلٍ متزامن مع الحرب الثقافية المدمرة لكل قيم المجتمع والحصار الاقتصادي، ساعدهم في ذلك طغمة فاسدة من السياسيين والرأسماليين التي دأبت على الوصول الى السلطة عبر بعض التكتلات الاجتماعية، وبأساليب شتى لن نناقشها هنا، ووسائل اعلام مأجورة للمهام القذرة تجمل قبح المشهد …
ورد في الحديث الشريف:
المؤمن كيِّسٌ فطِن (كيِّس: ذكي ولبق
فطِن: سريع البديهة لا تنطلي عليه الحيل)