سمير الحسن
منذ أكثر من مائة عام، وضعت منطقتنا العربية في حروب دائمة، مما ألحق بها الأضرار الكبيرة، واستنزف طاقاتها، وقدراتها، ومنع نموها، وتطورها، وبدلا من تخصيص موازنات الدول أموالها للتنمية، خصصت لتعزيز الجيوش، والدفاعات. تآكلت مجتمعاتنا إن بالأموال التي دفعت، أم بالتدمير الناجم عن الحروب، ومتطلبات إصلاح ما تدمر.
بداية، شن الاستعمار الأوروبي، ثم الاميركي، الحروب العدائية، بعد التقسيم والتجزئة، وخلق مسببات الحروب الأهلية. كانت مجتمعاتنا، ودولها تتصدى، تقاوم، وترمم، لتعود الحروب والأحداث بأشكال مختلفة، وفي كل مرة بطريقة مغايرة. يمكن القول بكل بساطة أن بلادنا قضت قرنا من الزمن في الحروب، ولملمة تداعياتها.
هي الحروب المطلوبة لإبقاء هذا العالم العربي المترامي، تحت مفاعيل السيطرة الغربية. أما شعوبنا وأنظمتها فتعاملت معها باللين، والالتفاف، والاستيعاب. كثيرا ما أوكلت أمرها لدول خارجية، كما زمن الاتحاد السوفياتي، وحافظت على اللعبة بالتي هي أحسن. لم تشأ الرد على الاستعمار بأشكاله وتجلياته المختلفة، ومن ضمنها الكيان الصهيوني، بالمبادرة الذاتية، وبالرد الرادع. لم تضع استراتيجيات مواجهة، ولا خططا متدرجة نحو التحرير والنصر. لم تقم بما قام به الفييتناميون، والصينيون، والكوبيون، والكوريون الشماليون. كل ما فعلته أنها تصدت للعدوان، أحيانا بقوة. أحيانا خسرت كما في نكسة ١٩٦٧، أو اجتياح لبنان ١٩٨٢، وأحيانا ربحت كما في حرب المقاومة العراقية التي أجبرت الأميركي على الانسحاب، أو حرب ٢٠٠٦ التي وضعت حدا للتفوق الصهيوني، فارتقت إلى مستوى التعادل في المجابهة.
كل ما قامت به دولنا ومجتمعاتنا كان ضمن ما يعرف بالمقاومة السلبية. “نحن ما زلنا متعرضين للعدوان، وبالتالي نحن نقاوم”، قالها السيد حسن نصرالله في حوار العام على الميادين. أي أننا ما زلنا في إطار رد الفعل، ولم نصل إلى الفعل. نحن سلبيون، والعدو متغطرس، لا يكل، ولا يهن، ولا يضعف عوده، ونحن ما زلنا “نقاوم”.
بأزاء هذا التردد الذي نعرف أشياء من تبريراته، ونجهل أشياء، دفعنا الأثمان الباهظة التي لا تقدر. ليس أكثر من فييتنام من خسر، وتدمر في حرب الثلاثين سنة. لا يقدر حجم القنابل التي ألقيت عليها، وربما لم يبق منها ما يمكن وصفه ب”الواقف”. مسحت فييتنام في الحروب الوحشية التي ظلت الطائرات الأميركية تقصف بها هذا البلد، مستخدمة كافة الأسلحة الحارقة، والمدمرة. فيتتنام دمرت في حرب التحرير الوطنية قبل انتصارها. لكنها انتهت من المأساة، وخرجت تبني ذاتها باستقلال وحرية وسيادة.
بمقابل الخسارة التي خسرتها الفييتنام، خسر العالم العربي على مدى قرن من الزمن أكثر بكثير مما خسرته فييتنام. لكننا لم نحقق النصر، وإن كان ما حققناه يندرج في إطار المقاومة السلبية، والصمود، والتصدي، لكن في ظل غياب استراتيجية تحرير فعلية تنهي مأساتنا. تجنبنا الحرب منعا للخسائر، لكن مجموع خسائرنا قد تفوق بكثير ما يمكن أن نكون قد خسرناه فيما لو انخرطنا بحرب تحرير على الطريقة الفييتنامية، وكذلك الكوبية والصينية والكمبودية والكورية.
وينتهي الوضع بنا مشرذمين، يأكلنا العدو لقمة وراء لقمة. حيد مصر في اتفاقية كمب ديفيد. صادق الأردن، وطبع مع المغرب، والآن يطبع مع كل دول الخليج والسودان. لم يبق أمامه للابتلاع سوى أقاليم قليلة مثل لبنان وسوريا والعراق، وكلها نالت نصيبا كافيا أزاء مقاومتها، أما ليبيا التي ظلت تقاوم، فدمرها ثمنا لعنادها. ولم تنج الجزائر من التدمير الممنهج من خلال الحرب الداخلية التي شنت فيها، وعليها. ونحن ما فتئنا ننتظر ضربة لنردها، ما استطعنا لها سبيلا على أمل “الرد في التوقيت المناسب”.
سؤال برسم القادة المعنيين بالمعركة. نحن نثق بكم، ونثق بنواياكم الوطنية الطيبة، وطاقتكم وتحملكم للمعارك الكبيرة التي خاضتها بلادنا، فصمدت، ولم تسمح للعدو باستباحتها. لكن كيف السبييل لإنهاء الحروب في بلادنا؟ هل من استراتيجية لوضع حد لهذا المسلسل الطويل من الحروب؟! هل بخلت شعوبنا بأرواحها في المعارك خلفكم؟
كلمة أخيرة أواخر أسوأ الأعوام التي مرت بها الكرة الأرضية: آن الأوان لوضع استراتيجية تحرر تفسح المجال لنا عبرها ببناء بلادنا وفق ما نراه مناسبا لمستقبل أبنائها، مهما كلف ذلك من ثمن. لم تعد بلادنا تحتمل أنصاف الحروب الرادعة، بل تحتاج لحرب تحرر شاملة تنهي المأساة المتفاقمة.