كتبت نجوى مظلوم
شهدت إيران بعد إنهيار حكم الشاه والإطاحة بالحكم الملكي عام ١٩٧٩ ،فوضى عارمة طالت العديد من المدن الإيرانية،استمر هذا الوضع إلى أن تمكن النظام الجديد من ترسيخ دعائمه في الحكم.
بعد وصول الإمام الخميني الى سدة الحكم تمركزت السّلطة الدينية والسّياسية في شخص واحد لأول مرة في تاريخ إيران،كان الإمام يتمتع بشجاعة وصلابة وقوّة قلّ نظيرها مواجهاً التحديات التي واجهته بحكمة وفطنة،لاقى ترحيبا شعبياً واسعاً بفضل حضوره الطاغي لدى الجماهير، بماضٍ لا تشوبه شائبة وإيمان لا يتزحزح ساعياً الى مستقبل أفضل لإيران بعدما سيطر عليها حكم البهلوي وعاث فيها فساداً لعقود من الزمن.
حاول آية الله الخميني الإنفتاح على كل القوى والإتجاهات الإيرانية باعتبارهم جزء من الثورة التي تعثرت بعقبات كثيرة كان أبرزها التصادم مع “مجاهدي خلق”بحيث كانوا من أشد المعارضين لنظام الشاه وسعوا الى اسقاط النظام بعد أن أُعدم مؤسسيها وعدد كبيراً من اعضاء قيادتها إلى أن بدأت الخلافات مع النظام الجديد بعد عامين ونصف من استلام الحكم الجديد على إثر اختلاف عقائدي سياسي بين الطرفين،احتدمت الخلافات بينهما بعد خسارة أعضاء “مجاهدي خلق” في الانتخابات البرلمانية امام أنصار الإمام الخميني وتوجّه التنظيم الى المواجهة المسلحة مستفيداً من خبرته العسكرية القديمة وعدم امتلاك آية الله الخميني قوة أمنية عسكرية بإعلانه النضال المسلّح ضدّ النظام الجديد عبر استهداف مؤيدي النظام القائم.
حاول التنظيم شلّ النظام بتوجيه ضربات قاسية له عبر إغتيال بعض رموز الحكم في الجمهوريّة الإيرانيّة بتفجير مبنى البرلمان مما أدّى إلى مقتل عدد كبير من النواب من بينهم آية الله مرتضى مطهري عضو مجلس قيادة الثورة ومحمد قرني أول رئيس مجلس لقيادة الثورة وآية الله الطبطبائي.
وعام ١٩٨١ أعلن التنظيم حرب شاملة ضد نظام الجمهورية الإسلامية كان على أثره محاولة إغتيال آية الله الخامنئي بعد أن زرعت قنبلة في منبره عندما كان يلقي خطبة في مسجد أبي ذر في طهران .
وفي اليوم التالي نفذ “مجاهدي خلق” تفجير مدوٍّ في المقر الرئيسيّ للحزب الجمهوري الإسلامي في طهران أثناء إنعقاد إجتماع ولقى ثلاث وسبعون مسؤولاً بالحزب الجمهوري الإسلامي مصرعهم، من بينهم قاضي القضاة وآية الله محمد بهشتي (ثاني أقوى الشخصيات في الثورة بعد آية الله الخميني)،عُرف هذا الانفجار ب”هفت تير”،مراهنين على زعزعة النظام بعد هذه الضربة إلّا أن سرعان ما استطاع لملمة جراحه بخروج الملايين لتشيع ضحايا التفجير، تلبيةً لنداء الإمام الخميني موجهاً رسالة الى مجاهدي خلق على مدى الإلتفاف الشعبي حوله،لم يتوقف مجاهدي خلق بل وسّعوا دائرة الاستهداف لكن النظام بقي متماسكاً رغم ما تعرض له من خسائر وضحايا.
من الملفت توطيد العلاقات بين هذا التنظيم وأميركا، بعد ما كانت تعتبره تنظيماً إرهابياً بسبب إغتيال العديد من العسكريين الأميركيين الموجودين في إيران خلال فترة حكم الشاه في السبعينات،ساعيةً الى توطيد وجود النظام ومساندته للنيل من النظام الجمهوري الذي افشل مخططاته،بعد الإطاحة بحكم حليفه الشاهي.
استطاع النظام الجمهوري من بسط سيطرته وإضعاف “مجاهدي خلق” بالرغم من الدعم الاميركيّ والصدّامي الذي كان يحظى به، ابتداءً من عام ١٩٨٢ بدء أنصاره بالفرار إلى الخارج بعدما قويت شوكة الحرس والأجهزة الأمنية الجديدة واستطاعت تضيق الخناق عليهم.
لم تتوقف الإغتيالات بل استمرت الى يومنا هذا لكن بتوجيهات خارجية وبأسلوب مختلف باستهداف كوادر علمية وشخصيات أمنية رفيعة المستوى،في عام ٢٠١٠- ٢٠١٢ تم استهداف كبار علماء النووي الإيراني وكانت الإتهامات موجّهة الى”مجاهدي خلق” بدعم من الموساد الإسرائيلي،الى إغتيال رمز من رموز إيران قاسم سليماني عام ٢٠٢٠ الذي كان قائد لفيلق القدس وتتواصل الإغتيالات التي كان آخرها إغتيال كبير علماء الذرّة الإيرانيين “محسن فخري زاده” بالقرب من العاصمة طهران من الشهر المنصرم.
أخيراً إن هذه الإغتيالات لن تضعف من قدرات إيران وخاصة بأن تاريخها حافل بمثل هذه الحوادث، فلم تزدها إلّا قوةً وصلابة بوجه عدوّها،وهذه الإستهدافات ليست إلا محاولات ليثبت العدو نفسه،بعد الإنجازات التي حققتها إيران في ظلّ الضغوطات الدوليّة.
إلى متى سيدفع العلماء الإيرانيين ثمن التدخلات الخارجية؟وفي ظل المتغيرات السياسات العالمية،هل سيبقى أعداء إيران يواجهونها عبر سلسلة من الإغتيالات أم انها ستتطور إلى أبعد من ذلك ؟