كتب سمير الحسن
بين انطلاقتها، ونهايتها، انتصارا أو هزيمة، تضم أي حركة تحمل الهم الثوري، تنوعا واسعا من البشر، كثيرون منهم يعتنقون اتجاها عقائديا أوثقافيا معينا، ومنهم من يندفع في الثورة لأسباب متنوعة، وفي خضم العمل الثوري، قلة يصمدون حتى النهاية، وبنقاء، وهم لا يتعدون عادة الخمسة بالمائة من المنضوين في الحركة. كثيرة هي الدوافع، وإن كان الشعار واحدا، وكثيرا ما تكون النزعات الفردية، والمصالح، وردود الفعل من العوامل المحفزة لشخص معين الالتحاق بالحركة.
لذلك، يلاحظ ارتداد كثيرين في مسارهم “النضالي”، أو تغييرا ما في مسارهم عن الخط الذي انطلقوا منه. غالبا ما تحدث هذه التغييرات في المواقف، وفي التموضع، على خلفية العداء لخصم معين، فتتقاطع المواقف، خصوصا إذا بنيت على رد الفعل، مع قوى كانت عدوة لها.
القوى التي اتخذت موقف المعارضة للنظام في سوريا، طرحت شعارات براقة قبل اندلاع الأحداث السورية. هاجمت النظام، وطرحت رؤى وأفكارا متنورة في الشكل. انتقدت النظام، وممارسات مسؤولين فيه، ودعت للتغيير. ظروف كثيرة لم تتح استجابة الشارع السوري لها.
اندلعت الأحداث السورية أوائل عام ٢٠١١، وشاركت المعارضة السورية بمختلف اتجاهاتها ضد النظام، وحاولت تشكيل بديل منه، في الوقت الذي شاركت في الصراع قوى من مختلف الأصناف، والتوجهات، والخلفيات، وبدأت تتضح هوياتها مع تقدم الصراع، فظلت المعارضة السورية في الموقف عينه، معتبرة أن الثورة قد أزفت، وحان قطافها، وتقدمت مع القوى المقاتلة للنظام رغم اتضاح تصدر القوى المختلفة المشارب، المتعارضة مع رؤى القوى التي صنفت نفسها ب”المعارضة السورية”، ورغم ان قوى ك”داعش”، و”جبهة النصرة”، و”جند الشام” والعديد من التشكيلات الأخرى قد تصدرت عملية الصراع، إلا أن قوى المعارضة السورية ظلت على موقفها، رغم تعارضها القاسي مع القوى الأخرى ضد النظام.
بلغت الأمور حد تدمير سوريا كهدف للحرب فيها، وباتت الممارسات واضحة بهذا الاتجاه، ولم يعد اثنان يخلتفان على ان المطلوب ليس رأس النظام، او تغييره، بل تدمير سوريا ببناها المختلفة، في ظل طروحات مشاريع تقسيمها، وتفتيتها. لكن ذلك لم يكن كافيا حتى حينه للقوى التي صنفت نفسها معارضة في بداية الطريق، أن تغير موقفها تجاه الحرب، وهي عارفة انها لم تعد صاحبة القرار في أي لحظة في الصراع، ولا هي التي تحدد البدائل، وإنما يقوم بذلك كل من يفترض أن تعتبرهم المعارضة خصومها، فإذا بها في تحالف معهم، لأن إشكاليتها باتت شخصانية، ولم تعد مصلحة سوريا وشعبها في أولوياتها، بقدر ما كان هاجسها “رأس النظام”.
بذلك ارتمت المعارضة السورية في أحضان القوى العالمية التي تقود الصراع، بالمال والسلاح والعناصر، وتخلت عن شعاراتها السابقة، والدوافع كانت شخصانية، أكثر مما هي سياسية قائمة على نقد ونقد ذاتي، أو إعادة تقييم للمواقف.
الأمر عينه حدث في إيران. كان حركتا مجاهدي خلق (الشعب)، وفدائيي خلق، أكثر من ناضل وقاتل نظام الشاه الملتحق بالمشروع الأميركي-الصهيوني سنينا طويلة قبل الثورة. قاومت الحركتان بشراسة “السافاك”، أحد أعتى الأجهزة الاستخباراتية في العالم، ربيبة “السي آي إيه”، وحليفة “الموساد”. دفعت الحركتان من خيرة مناضليهما في سبيل مكافحة الشاه، وامتداداته. وعند عودة آية الله الخميني إلى إيران، وقد بلغت الثورة ذروتها، كانت الحركتان منضويتان في صفوف الثورة، ترفدانها بما لهما من تأثير في الوسط الشعبي، خصوصا منهما حركة “مجاهدي خلق” التي كان آية الله طالقاني أباها الروحي، وكانت معروفة بجماهيريتها، من جهة، إضافة إلى صلابة مناضليها، من جهة ثانية.
بعد انتصار الثورة، واستقرار السلطة بيد التيار “الخميني” الكبير الذي قيل أنه ضم ما لا يقل عن ثمانين ألف كادر من المشايخ، وقعت التباينات في وجهات النظر بين السلطة الجديدة، والقوى التي انضوت في الثورة إلى جانبها، وتمكنت السلطة من ضرب حركة “مجاهدي خلق”، وكذلك فدائيي خلق، وبينما استمرت الأولى في صراعها مع النظام الجديد، انكفأت الثانية، ولم يعد يعرف عنها أي شيء.
بنتيجة الصراع، والسلطة الجديدة ما زالت حائزة على تاييد الغالبية الشعبية الساحقة، تستمد منها القوة، استطاعت قوى السلطة إلحاق الهزيمة ب”مجاهدي خلق”، التي اضطرت للانكفاء، والخروج من إيران باحثة عن موقع تواصل فيه حقدها على النظام الجديد كرد فعل على خسارتها، مهما كلفها ذلك من أثمان، فارتمت أولا بين أيدي النظام العراقي المعادي لإيران الخمينية بعد ثماني سنوات حرب معها.
أتاح النظام العراقي ل”مجاهدي خلق” بناء قواعد لهم على الحدود العراقية- الإيرانية، وشنوا منها الكثير من الأعمال الأمنية والعسكرية العدوانية ضد إيران، ودفعتهم حاجتهم للاستمرار في الصراع إلى التقاطع مع أنظمة، ودول متعارضة مع إيران، فإذا بهم يبدون أدوات بأيدي قوى يفترض أن تكون حركة “مجاهدي خلق” في أولويات العداء لها على ما درجت عليه في صراعها أيام الشاه.
تتموضع “مجاهدي خلق” في أحضان أعداء إيران، الذين كانوا سابقا أعداءها، والسبب غلبة الحقد الشخصاني على قيادات الحركة، وعناصرها، ومن هنا لم تتوانَ الحركة عن أعمال لصالح أعداء إيران، تنفذها تنفيسا لحقد شخصي، فكان اغتيال العالم الإيراني محسن فخري زادة، خسارة كبيرة لإيران، ولكل القوى المقاومة للمشروع الأمبريالي-الصهيوني.
عدة تجارب أخرى اتخذت المنحى عينه كالمعارضة السورية ومجاهدي خلق، ويسجل لحركة طالبان استمرار صمودها دون أن تمد اليد إلى الخارج، مواصلة نضالها ضد الاحتلال العسكري الأميركي، رغم صعوبة الظروف التي تواجهها، وتفاوت ميزان القوى العسكرية بينها وبين الولايات المتحدة.