كتب حسين قاسم
ما زالت عين فرنسا على لبنان، ومازالت الضغوط الأمريكية تعرقل ولادة الحكومة العتيدة، التي ستتولى الإجراءات الإصلاحية المقبلة. وفي ظل جمود يطال ملف التأليف الحكومي و نسف للتدقيق الجنائي عبر التوصية الفولكلورية لمجلس النواب، ودون إقرار أليات قانونية للبدء به، أضف الى تخبط أهل الساسة فيما بينهم دون معرفة اي مصير ستؤول اليه المبادرة الفرنسية، صدر تقرير البنك الدولي الذي يتناول الأوضاع الإقتصادية في لبنان.
جاء التقرير ليسلط الضوء على الأزمة الإقتصادية التي إزدادت حدتها بفعل إنتشار وباء كورونا، والذي أدى الى توقف النشاط الإقتصادي وتهديد القطاع الطبي بالإنهيار، ناهيك عن إنفجار مرفأ بيروت الذي قطع اهم طرق الملاحة الدولية مع الخارج، وفرض عزلة تجارية على لبنان.
بدأت الأزمة الإقتصادية منذ العام 2011 عقب إندلاع الحرب على سوريا، حيث سجل النمو الإقتصادي في لبنان حوالي 0.9% بعدما كان قد سجل 10.5% عام 2008، وذلك في خضم الأزمة المالية العالمية التي تنجت عن أزمة الرهن العقاري الأمريكية عام 2007، ويتوقع الخبراء الإقتصاديين في البنك الدولي مزيدا من الإنكماش في النمو الإقتصادي للعام الجاري حيث يتوقع تسجيل -19.1% بعدما سجل -6.7% العام الماضي.
الى ذلك شهدت الليرة اللبنانية تدهورا حادا في سعر الصرف أمام الدولار، ما أدى الى إرتفاع معدلات التضخم لتتجاوز 100%، ما يمس بالأمن الإجتماعي لذوي الدخل المحدود فضلا عن الفقراء والمحتاجين.
بالإضافة الى ذلك تم استنزاف احتياطي العملات الأجنبية الموجودة في مصرف لبنان لتأمين الدعم اللازم للمواد الغذائية والمحروقات والاحتياجات الطبية، توازيا مع توقف مفاجئ في تدفقات رؤوس الأموال الى لبنا،. دون وضع سياسة رشيدة لتنظيم الصرف، وغياب سياسة مالية واضحة لحماية ما تبقى من ودائع في المصارف.
على ضوء ذلك، دعت فرنسا الى عقد “المؤتمر الدولي الثاني لدعم بيروت والشعب اللبناني” يوم الأربعاء برئاسة الرئيس الفرنسي “ايمانويل ماكرون” الى جانب الرئيس اللبناني “العماد ميشال عون”، وبحضور وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” اضافة الى عدد من ممثيلي الدول المانحة وعلى رأسها دول الخليج وذلك لمساعدة لبنان على النهوض مجددا من أزماته.
سعى الرئيس “ماكرون” الى الضغط على الدول المانحة لرفع تمثيلهم في المؤتمر، الذي سيعقد في ظل فشل رئيس الحكومة المكلف “سعد الحريري” في تقديم تشكيلته الحكومية الى الرئيس “عون”، وسط كيديات سياسية بين الأفرقاء الذي يتناغم بعضهم مع من لا يريد الوصول الى نتائج ايجابية في الداخل اللبناني عبر فرض شروط للوصول الى مآربهم على حساب الوطن، وهذه الكيديات حالت دون التوافق على شكل الحكومة فضلا عن أسماء وزرائها، إضافة الى سياسة التفقير المتعمدة عبر عدم وضع اي إجراءات للحؤول دون الوصول الى الكساد الذي وصف بأنه “كساد متعمد”.
وسيشهد المؤتمر جمع تبرعات وهبات وقروض ميسرة لتتمكن الحكومة اللبنانية العتيدة من إعادة إعمار ما هدمه إنفجار الرابع من آب، وتذكر مصادر خاصة أن جامعة الدول العربية ستشارك في المؤتمر، ولكن دون اي مساهمة مالية وسيستعاض عنها بهبة خليجية تتصف بالخجولة، وذلك بهدف إثبات حضورهم على الساحة اللبنانية من ناحية، ومن ناحية أخرى إضعاف المؤتمر من الناحية المادية، فالخليجون لايردون تزكية الفرنسيين في المنطقة وإعطاء الزخم للحراك الفرنسي، كنوع من العراقيل التي تباركها الولايات المتحدة الأمريكية لمنع تمدد النفوذ الفرنسي في شرق المتوسط.
وتشير المصادر الى أن ما سيتم جمعه من الهبات في هذا المؤتمر، لن يجعل لبنان يتنفس الصعداء، وان المبالغ التي قد تجمع ستساوي او تتجاوز بقليل ما جمع في المؤتمر بنسخته الأولى والتي بلغت 300 مليون دولار، وهذه الأموال لن تكف للبدء بإعادة الإعمار ناهيك عن تنفيذ توصيات البنك الدولي التي شددت على حث الحكومة العتيدة لوضع خطة استراتيجة لإعادة هيكلة الإقتصاد اللبناني، إضافة الى إقرار حزمة إصلاحات تؤدي الى ترشيد الإنفاق وزيادة الإيرادات وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب بحق الموظفين في القطاع العام، والعمل على تطوير البنية التحتية من كهرباء ومياه وشبكة طرقات، والتي تعتبر العامل الأساسي لجذب المستثمرين، ناهيك عن فرض حزم من الإصلاحات التي تطال تنمية الرأس المال البشري.
وقبل كل هذه الإجراءات يجب على لبنان مساعدة نفسه بنفسه قبل طلب المساعدة من الخارج كما ورد على ألسن بعض الديبلوماسيين الفرنسيين، كما يجب على السياسيين العمل على استعادة الثقة بين الحكومة والمواطنين، وبين الحكومة والمستثمرين، وبين الحكومة والمانحين، بعدما خيبوا آمال المجتمع الدولي الذي راهن على وجود حكومة أصيلة ذات توجه إصلاحي، تتلقف المساعدات الدولية وتضع نصب أعينها العمل على إعادة هيكلة الإقتصاد وجعله إقتصاداً منتجاً. ويبقى السؤال المطروح هل سيكون هذا المؤتمر أخر فيوضات الفرنسيين على لبنان؟

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com