كتب ألبير خوري
جريمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته العبثية باغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني وأحد رموز المقاومة الايرانية العابرة للقارات، وضعت منطقة الشرق الأوسط، إن لم يكن العالم قاطبة أمام واحد من احتمالين: انفراج أو انفجار.. وإن بدا الاحتمال الثاني هو الأكثر حظاً في نظر عدد كبير من المحللين والباحثين نظراً للتحديات القديمة والمستجدة بين الجمهورية الاسلامية والولايات المتحدة.
صواريخ أميركية وبدقة فائقة أصابت سليماني ورفاقه في السلاح والمقاومة فأردتهم شهداء الحق والحرية والعدالة. في المقابل، سارعت الصواريخ الايرانية، وبالدقة نفسها، أصابت قاعدة “عين الاسد” في العراق، مخلفة دماراً كبيراً، وعدداً غير قليل بين قتيل وجريح.
تصاعدت التحديات والرهانات بين واشنطن وطهران في الايام القليلة الماضية التي أعقبت استشهاد سليماني ورفاقه، ما وضع القواعد الاميركية الجوية والبحرية والبرية، وخصوصاً تلك المتواجدة في الخليج العربي في حال استنفار شديد، فضلاً عن زيادة عدد القوات الاميركية واستخباراتها تحسباً لهجومات “استشهادية” أعلنت عنها الادارة الايرانية مسبقاً، ونفّذت الصفعة الأولى، حتى قبل أن يوارى الشهيد سليماني الثرى.
من حق الادارة الاميركية السياسية منها والعسكرية والمخابراتية أن تأخذ أقصى درجات الاحتياط حفاظاً على وجود عساكرها المنتشرين في عشرات القواعد حول العالم.. أكتفي بذكر أعدادها في المنطقتين العربية والاقليمية وحجم مخاطرها وتأثيرها على الجمهورية الاسلامية: أفغانستان (14,100 جندي)، الكويت (16,000)، العراق (18،000)، قطر (13,000)، الإمارات (5,000)، البحرين (6,000)، السعودية (3,000)، الأردن (3,000)، سوريا (8,000)، سلطنة عُمان (6,000)، وتركيا (2,500)، أي ما يقارب مجموعه حوالى 82,000 جندي أميركي مزودين بأحدث أنواع الأسلحة وأخطرها، لكنها لا تكفي بعدادها وعتادها، الأخطار الايرانية وحليفاتها المحدقة بها، وهي أخطار متسارعة ومتصاعدة إذا أخذنا بعين الاعتبار التصريحات الايرانية، من رأس السلطة الى القيادة العسكرية والمخابراتية بالانتقام والثأر بكل الوسائل المتوافرة لديها في الداخل الاميركي كما في أماكن انتشارها في الشرق الأوسط، وحيث يستحيل إلغاء آلاف الاستشهاديين الذين يشكّلون الخطر الايراني الأكبر والمباغت للمصالح الاميركية وتهديدها الدائم حتى خروج آخر جندي اميركي عن المنطقة، كما وعد المرشد الأعلى للثورة الايرانية.
واقع الأمر أن استشهاد سليماني “البطل القومي” في نظر الغالبية الساحقة من الشعب الايراني غيّر الى حدّ كبير من الأجواء الداخلية في ايران كما في منطقة الشرق الاوسط والولايات المتحدة.
على المستوى الداخلي الايراني، زادت جريمة اغتيال سليماني التماسك والانسجام بين السلطة والمعارضة، خصوصاً وأن الاحتقانات الناتجة عن الاحتجاجات الأخيرة على زيادة أسعار البنزين، كانت قد ألقت بظلال ثقيلة على المناخ العام، فضلاً عن الضغوط الواسعة الناجمة عن العقوبات الاميركية. يؤكد ذلك مجمل التصريحات سواء الموالية منها والمعارضة ضدها وكلها توضح أن الرد الحتمي سيكون في المبدأ محكوماً بـ”الثأر لا بالحرب”.. كما قال رئيس لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان وتأكيده أن “هدفنا هو الانتقام البحت ولا ننوي الدخول في حرب”.. كذلك لفت المتحدث باسم هيئة الاركان العامة للقوات المسلحة الى ضرورة أن “يعلم الأميركيون بأن ايران لن تتسرّع حتماً في الرد.. إننا سنفكر ونخطط حتى نرد بصبر وتأنٍ وروية على هذا العمل الارهابي في المستقبل وبطريقة مزلزلة وقوية”.
وفي العراق، جاءت رسالة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي الى البرلمان “مدوية وساخطة” على سياسة واشنطن في المنطقة بعد أشهر من التوتر تراجعت فيها العلاقات بين الدولتين الى أدنى مستوياتها.. تراجع بدأ مع رفض بغداد الالتزام بالعقوبات المفروضة على طهران ليتواصل بتأمين الإدارة الاميركية غطاء لـ”تل أبيب” لشن هجمات على مخازن “الحشد الشعبي”، وبلغ ذروته مع اغتيال نائب رئيس هيئة الحشد أبو مهدي المهندس.. كل ذلك رسّخ اقتناعاً لدى عبد المهدي بضرورة سن تشريع لإجلاء القوات الاجنبية عن البلاد.
على الساحة الاميركية، انقسمت الآراء بين اكثرية ترفض منطق الصدام العسكري مع ايران، وبما يفتح بوابات واسعة لحرب شرق أوسطية تبدو ايران مالكة زمام الامور بشدة ولها القدرة على الانتصار على الرغم من تفوّق السلاح الاميركي عسكرياً ومخابراتياً، لكن ما تجاهلته إدارة الرئيس ترامب، أن آلاف الاستشهاديين من ايران وحلفائها في المنطقة يملكون الجهوزية الكاملة للشهادة لدى أول نداء من المرشد الأعلى، وهذا وحده كافٍ ليبث الخوف والرعب في قلوب الشعب الاميركي الذي سبق أن اكتوى بنيران الحرب في أكثر من موقع شرق أوسطي، وحيث فقدوا ابناءهم في حرب ليس لهم فيها أي قرار.
في مطلق الأحوال، تحاول واشنطن إصلاح خطأ رئيسها ودفع أبنائها الى حرب خاسرة، من خلال رسائل دبلوماسية تلقتها طهران بإيجابية، لكنها مستمرة على سلاحها في حال لم تلتزم الادارة الاميركية بتعهداتها ووعودها باعتماد المفاوضات دون شروط مسبقة، وذلك تhحاشياً لمعركة معروف أين تبدأ، لكن نهايتها في حال اندلاعها قد تجر الى حرب سياسية – عسكرية – اقتصادية – اجتماعية تضع العالم على فوهة بركان قابل للانفجار في أي لحظة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com