كتب ألبير خوري

منذ اللحظة الأول لاختيار الدكتور حسان دياب، اسماً تقنياً، نظيفاً ومستقلاً لتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة خلفاً للرئيس السابق سعد الحريري، وبما يتلاءم مع تطلعات ومتطلبات الشارع المنتفض المطالب بـ”لبنان جديد”.. منذ هذه اللحظة، أبدى دياب شجاعة فائقة لتسلّم مهمة استثنائية تكاد تكون مغامرة في نظام يتوزع طائفياً وحزبياً ومناطقياً، وحيث إمكانية التفاهم بين جميع هذه التقسيمات مهمة شبه مستحيلة، وإن حدث ذلك وفق سياسة المحاصصة التقليدية التي اعتادت عليها الحكومات المتعاقبة مدعومة على الدوام بشعار الحفاظ على الميثاقية والوحدة الوطنية، فإن الثوار، وإن همدت انتفاضتهم في الايام القليلة الماضية، فإن هذا الهدوء يشبه هدوء ما قبل العاصفة، في مقاربتهم لحكومة مقنّعة ظاهرها تقني وباطنها سياسي تديرها عقول سياسية أوصلت البلاد الى هذا الدرك من الانهيارات الاجتماعية والمالية والاقتصادية…
ويبدو أن تشكيلة الحكومة الجديدة التي كان يفترض استيلادها والإعلان عنها امس الاثنين أو اليوم الثلاثاء، باتت ليس فقط أسيرة شباك داخلي بين شارع الثوار وشارع السلطة، إنما أسيرة الزلزال الكبير والخطير الذي ولّده اغتيال قائد فيلق القدس رئيس الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني وتداعيات هذه العملية التي وضعت الشرق الأوسط على فوهة بركان قابل للانفجار في اي لحظة، وحرب اقليمية ترخي بثقلها وتداعياتها على لبنان، وتحديداً اهتزاز إمكانية تشكيل حكومة وفق خيارات الدكتور دياب، والى حد ما كما تريدها السلطة ممثلة بالوزير جبران باسيل ومطالبته بالنسبة الأكبر من الوزراء المسيحيين، وليست بأي شكل تلبي مطالب الثوار وشارعه.
جاء اغتيال الجنرال قاسم سليماني ليقلب موازين الحكومة، بعدما وصلت الى حلحلة القسم الأكبر من الخلافات حولها. حكومة التكنوقراط التي جرى توزيعها على أسماء شخصيات تكنوقراطية، لم تعد قادرة على مواجهة الزلزال الاقليمي والتحديات المتصاعدة بين واشنطن وطهران، وحيث الطرفان رفعا نسبة الحذر والاستعداد النفسي والعسكري لدرء تداعيات حرب جمرتها تحت الرماد، لكنها بالتأكيد وشيكة الوقوع في فترة قصيرة، إذا أخذنا بالاعتبار سيناريوهات ايرانية عديدة ومختلفة للرد على واشنطن، لدرجة أن القيادة الايرانية أعلنت بالفم الملآن أنها “ستحيل حياة الاميركيين الى كوابيس متلاحقة في الداخل والخارج، وأن ترامب أرّخ باغتيال أحد أبرز وجوه المقاومة لبدء نهاية الوجود العسكري والسياسي الاميركي في المنطقة”.
وما هدّد به القادة الايرانيون، سبق أن أعلنه أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله بالفم الملآن حين أكّد في خطابه الاخير أن الاستشهاديين موجودون وهم على أهبّة الاستعداد للشهادة، وما يعني بحكم الأمر الواقع أن لبنان المقاومة سيشارك في حرب طاحنة، وما يجعل الحزب يطالب بحكومة مواجهة لم تكن في الحسبان قبل حوالى اسبوع وحين كان السيد نصر الله يصرّ على استعجال ولادة حكومة إنقاذ مطالباً جميع الكتل النيابية والسياسية بالتواضع والخضوع للأمر الواقع خوفاً على وقوع البلاد في دائرة الفوضى.. اليوم تبدّلت المقاييس والرهانات. لم تعد حكومة التكنوقراط قادرة على مواجهة التحديات، ولا بدّ من تشكيل حكومة سياسية قد لا تلبي بالضرورة إرادة الشارع ولا إرادة السلطة، إنما بالتأكيد قادرة على حماية البلاد من براكين النار التي باتت تلفّه محلياً وإقليمياً ودولياً.
بقي على القيادات السياسية أن تحدّد موقفها، خصوصاً وأنها لم تعد تملك ترف الوقت ولا التكمش بالحياد والميثاقية، بعدما وصلت الاوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية الى مرحلة الانهيار الكامل. هذا ما يتوضح يوماً بعد آخر في حياة المواطنين، وأيضاً في إصرار “حزب الله” على مواجهة الغطرسة الاميركية وجرائمها، تماماً كما هي حال ايران التي أقسمت على الثأر مهما بلغت التحديات وبالغت واشنطن في مكابرتها وغطرستها وأطماعها بالسيطرة على دنيا العرب، أراضيهم وثرواتهم ومقدساتهم…

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com