كتب ألبير خوري
بعد سلسلة إطلالات هادئة ومرنة تناول فيها التطورات اللبنانية جراء انتفاضة الشارع ونجاحه في فرض بعض شروطه ومطالبه في خلال فترة قصيرة، عاد السيد حسن نصر الله أمين عام “حزب الله” الى ما اعتاده جمهوره بالصوت الهادر والغضب العارم على عملية اغتيال قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، في احتفال تأبيني حاشد من مواطنين ومسؤولين استضافه أمس مجمّع سيّد الشهداء في الضاحية الجنوبية وصف فيه السيد نصر الله “العملية الإرهابية بجريمة صارخة واضحة المعالم، جرى تنفيذها بأوامر مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعلى واشنطن أن تتحمّل مسؤولية تداعيات استشهاد سليماني ورفاقه وانعكاساتها الخطيرة على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط”.. لافتاً الى أن “المقاومة لن تتراجع ولن تضعف ولن تخاف.. ومسيرة التحرير طويلة وشاقة لمواجهة المشاريع الاميركية والاسرائيلية الهادفة للسيطرة على منطقتنا ومقدساتنا وأرضنا وثرواتنا النفطية والغازية”.
وعلى عادته في توصيف الأزمات المحلية والاقليمية والدولية، ومقاربتها بصدق وشجاعة وموضوعية، يحسده عليها كبار المحللين، مضافاً إليها صمود المقاومة وناسها في لبنان والعراق وفلسطين واليمن، واشتداد المقاومين نفسياً وجسدياً لمواجهة الغطرسة الاسرائيلية والمكابرة الاميركية، أكّد السيد نصر الله، أن الرئيس ترامب وبعدما وصل الى الطريق المسدود في تمرير مشاريعه الفاشلة في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، وعجزه عند استقطاب الأميركيين أنفسهم للتجديد له في ولايته الثانية، اعتمد الإرهاب لتبرير فشله الكبير في سياساته الخارجية، منذ دخوله البيت الابيض وصولاً الى اغتيال الجنرال سليماني بعملية جبانة ومتوحشة لا تليق بدولة تدّعي أنها القوة الأعظم في العالم.
واقع الحال، وتبعاً للفشل الاميركي المتنامي في تمرير سياساتها العشوائية، كشف السيد نصر الله أن الرئيس ترامب وضع منذ بداية ولايته هدفاً رئيساً بإسقاط النظام الإسلامي في ايران، وكان فشله عظيماً، على الرغم من تدخّل جيوشه النظامية والالكترونية وأجهزة مخابراته في تأليب الإيرانيين على قادتهم السياسيين والأمنيين.
فشل ترامب في ايران، استتبعه فشل في سوريا: خان حلفاءه الأكراد وكشف عن ارتباك كبير في سحب القوات الأميركية ثم إبقاءها.. كذلك الحال في اليمن وانتفاضة الحوثيين في وجه السعودية والإمارات حلفاء واشنطن.. الواقع نفسه في العراق، حيث اعتبرت الادارة الاميركية أن لا دولة في العراق، وبالتالي يمكنها السيطرة على حقول النفط في بلاد الرافدين وتصديره وبيعه للعالم، باستخدامه المنظمات الارهابية وخصوصاً “داعش” الذي سيطر على البلاد حتى تمكّن العراقيون من طرده. أيضاً وأيضاً تكرّر الفشل في إسقاط الرئيس الفنزويلي أكان بالترهيب أم بالترغيب وحيث انكشفت المؤامرة الاميركية بتحالف الأكثرية الفنزويلية والتفافها حول رئيسها الشرعي.
وأخيراً بدا السقوط والفشل مدويين في لبنان. لطالما حاولت الإدارة الاميركية وعلى امتداد سنوات محاصرة المقاومة وتحريض بيئتها عليها، لدرجة أن المبعوث الأميركي دايفيد ساترفيلد هدّد مسؤولين لبنانيين بتنفيذ “شروطه”، و”إلاّ سقط لبنان في المجهول”.
ويبدو أن رهان ساترفيلد سقط سريعاً على الرغم من الانتفاضة الشعبية التي عمّت لبنان وما تزال، لكن الانتفاضة بعشرات ألوفها أعلنت رفضها الكامل لأي تدخل خارجي، وخصوصاً الاميركي لمعرفة المنتفضين بأن الارتهان للسياسة الاميركية مآلها الفشل الاكيد.
يبقى اللافت في تأبين السيد سليماني والمهندس، أن السيد لم يتطرّق لا من قريب ولا من بعيد للأزمة اللبنانية، اعتباراً من أن المناسبة أكبر من وضع داخلي صرف، إنما لم ينفِ أن مقاومة السياسة الأميركية لم تعد حكراً على “حزب الله”، إنما على كل الشرفاء، بدءاً من ايران الى سوريا والعراق واليمن وأفغانستان، وأن المعركة مستمرة بين مشروعين: الأول، إخراج واشنطن سياسياً وعسكرياً وأمنياً من المنطقة، والثاني، الارتهان للادارة الاميركية مع ما يحمله هذا الارتهان من أخطار للبلاد والعباد معاً.