بقلم: مي أحمد شهابي
مع بداية العام الجديد كان الجميع يتوقع تطورات تدفع الامور في الجوار العربي والإقليمي إلى مقاربات جديدة للأوضاع المستجدة في العراق ولبنان ومسار الوضع في سوريا بعد الإنجازات الكبيرة التي تحققت على مسار السيطرة على المزيد من الأراضي جنوب وشرق إدلب، وكذلك لا ننسى كيف اضطرت حكومة العدو على وقف عدوانها على غزة .ولكن لم يكن أحد يتوقع أن يكون المدخل لكل ما سبق عملية اغتيال القائد قاسم سليماني ورفاقه والقائد أبو مهدى المهندس ورفاقه بالشكل والمكان والزمان وبالتالي الإعلان الفوري للولايات المتحدة لهذا الفعل الأرعن، لاسيما أن كل الجماهير والقوى التي كانت محتشدة على أسوار السفارة الأمريكية قد انسحبت بشكل كامل، وبما يعني أن القرار المتخذ باغتيال الشهيد سليماني هو قرار كان قد اتخذ قبل ذلك بوقت ليس بالقليل، وفي دلالات هذا الحدث الجلل علينا البحث والتدقيق في الأهداف التي سعت الولايات المتحدة لتحقيقها عبر هذه الجريمة النكراء.
لاشك أن من أبرز الأهداف السياسية والعسكرية تتمثل بالسيطرة الكاملة على الحدود الغربية للعراق وقطع التواصل الجغرافي لمحور المقاومة من إيران عبر العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان، وتدرك الولايات المتحدة الجهود والدور الكبير للقائد قاسم سليماني ورفاقه ووجودهم الميداني في بنائه والحفاظ عليه، نظراً لما يشكله هذا المحور من أخطار على الوجود الأمريكي في العراق وسوريا إضافة لما يمثله من مخاطر على مستعمرات الاحتلال الصهيوني والذي يشكل أولوية قصوى للإدارة الأمريكية.
ومما لاشك فيه أن اغتيال القائد قاسم سليماني وفي جزء كبير منه يعود للدعم الغير مسبوق للفصائل الفلسطينية، هذا الدعم الذي ظهرت نتائجه المباشرة في العدوان الأخير على غزة على سبيل المثال لا الحصر، والذي أذاق العدو الصهيوني ومستوطنيه، ما لم يعيشوه من قبل ووقفت القبة الحديدية عاجزة أمام زخات الصواريخ بعيدة المدى والتي وصلت إلى تل أبيب وما بعدها. وهو ما جعل سلطة العدو تعتبره الخطر الأكبر على الكيان الصهيوني، واعتبرت القائد الشهيد مسؤولاً عنه.
من هنا نفهم استهداف قوات الحشد الشعبي الذي سبق ذلك ولما يمثله هذا الحشد من عقبة في مواجهة هذه السياسات، من هنا فإن عملية الاغتيال للقائد سليماني ينبغي أن توضع في إطار نقلة استراتيجية أمريكية، جديدها الانتقال لمرحلة جديدة تسعى من خلالها لفرض هذه السياسة عبء استخدام القوة والتلويح بها وكسر قواعد الاشتباك القائمة، من هنا ورغم قسوة وحجم الخسارة لقائد مثل قاسم سليماني ورفاقه سيجري الرد عليها باستراتيجية مقابلة ومواجهة للاستراتيجية الأمريكية الجديدة . أي أن رد الفعل على اغتيال قاسم سليماني لن يتخذ رد فعل سريع كما يتوقع البعض عبر قصف هنا أو هناك رغم الألم الذي يعتصر قلوب جماهير وقوى محور المقاومة، وفي مكانتهم العربية والقومية.
الرد الاستراتيجي سيبدأ من العراق عبر العمل على إخراج القوات الأمريكية من العراق وعبر إنهاء الاتفاقية الذي تنظم الوجود الأمريكي في العراق ومن خلال المجلس النيابي والذي حدد موعداً سريعاً للبت بهذه الاتفاقية، وقد أعطى العدوان الأمريكي دافعاً قوياً لهؤلاء الذين كانوا مترددين في دعم هذه الخطوة، لاسيما أن كل القوى العراقية اعتبرت ما جرى خرقاً للسيادة العراقية واعتداء صارخ على كيانات تعتبر رسمياً جزء من الجيش العراقي وعلى شخصيات رسمية عراقية.
وفي حال التوصل لمثل هذا القرار فإنه سيشكل رداً استراتيجياً على اغتيال الجنرال المقاوم وتشكل مدخلاً لأي وجود للقوات الأمريكية في العراق هو وجوداً غير شرعي ومن حق العراقيين مواجهته بمختلف الوسائل. وبالتالي فإن ساحة الرد الرئيسية ستكون الساحة العراقية بما تمثله من وزن ودور. دون أن ينفي ذلك خطوات أخرى تنساق معها. وأبرزها تجاوز المرحلة الخامسة التي حددها الاتفاق النووي والانتقال إلى مرحلة متقدمة من مراحل ومستوى التخصيب النووي الإيراني.
مما لاشك فيه أن الرد الإيراني على وجه الخصوص سيتبدى بعدة أشكال ومن الطبيعي أن لا يجري الحديث عنها في وسائل الإعلام وبما يشمل توقيت وحجم هذا الرد ونوعيته، رغم أن أحد المسؤولين في الحرس الثوري ذكر أن هناك 35 هدفاً أمريكياً، تقع في نطاق مدى الصواريخ الإيرانية والأسلحة البحرية الإيرانية وتمتد من افغانستان وصولاً للخليج العربي والبحر الأحمر، وأضاف أيضاً أنه سيكون هناك ردود من العديد من قوى محور المقاومة يعتبرون أن اغتيال القائد سليماني هو اعتداء يستهدفهم أنفسهم. ولا يمكن لأحد منعهم من الدفاع عن أنفسهم في مواجهة هذه الهجمة الأمريكية الغادرة وستشهد الأيام والأسابيع القادمة العديد العديد من المواقف والتطورات التي تؤكد ذلك.
إضافة لجهود سياسية لعزل الإدارة الأمريكية عبر تكثيف الضغوط عليها، لاسيما أن العديد من الدول أدانت الخطوة الأمريكية الشنعاء وحملتها مسؤولية تدهور الأوضاع والاستقرار في الشرق الأوسط. ودون أن ننسى عزلة إدارة ترامب حتى داخل الولايات المتحدة نفسها.
هذا إضافة إلى أية تحركات أو مواجهات يمكن أن تتم على طول جبهات محور المقاومة من فلسطين والعراق واليمن وسوريا ولبنان. وكما نعلم فإن العديد من هذه الجبهات مشتعلة ولم تتوقف عن مقاومة العدو الصهيوني خاصة في فلسطين وسورية، وهي مهيأة أكثر من غيرها للاشتعال. كونها تدرك وحدة المعركة والمصير . وستكشف الأيام والإيجابية القادمة المسار الذي ستأخذه الأحداث والذي سيشكل تحولاً استراتيجياً سيصبح في صالح محور المقاومة وشعوبها وستدفع الإدارة الأمريكية أثماناً باهظة نتيجة سياساتها ومغامراتها الحمقاء، لم تكن تحلم بها على الاطلاق ونأمل أن تكون تلك المعركة إيماناً ببدء نهاية الوجود الأمريكي في منطقتنا وإن غداً لناظره قريب.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com