كتبت سوسن بركة
البارز على الساحة اللبنانية اليوم حدثان بارزان يستقطبان اهتماما دوليا وغربياً هما المفاوضات لترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان واسرائيل التي تبدأ الأربعاء، والاستشارات النيابية الملزمة للتكليف الحكومي دون ان يعرف مصيرها بعد، قبل أن يكتشف الرئيس سعد الحريري مواقف الكتل النيابية من تكليفه. ومن هذا المنطلق تستعيد الحياة السياسية اللبنانية زخمها وحيويتها ويفتح الباب امام التأليف ولا احد يدري حتى الآن ما اذا ستتألف الحكومة لأن هذا الأمر مرتبط بالإتصالات التي يجريها الحريري بين الافرقاء والتي سيبدأها اليوم من قصر بعبدا حيث يلتقي بالرئيس عون ومن ثم من عين التينة ليلتقي برئيس مجلس النواب نبيه بري.
الجميع يواكب التحضيرات الجارية لاستشارات التكليف الملزمة، وفي الوقت نفسه لم يظهر منافس للحريري حتى الآن الذي اعلن نفسه مرشحاً طبيعيا للرئاسة الثالثة. وكان التركيز بعد لقائه الرؤساء السابقين هو البحث في التأليف وإنجازه بعناوينه الاساسية قبل انجاز التكليف، لينصرف بعدها الرئيس المكلف الى انجاز التأليف بسهولة ويُسر.
وما حصل من تدارك للأمور قبل أن يفوت الأوان ويصبح لبنان في خبر، أتى الثنائي الشيعي المحرك الاساسي لعودة الحريري الى السراي الكبير. على الرغم من كل العقبات السياسية والشعبية، عمد الثنائي الى اعادة اظهار الحريري على انه الشخصيّة الوحيدة القادرة على إعادة لَم التوافق من جهة، وتنفيذ المطلوب من جهة اخرى لاخراج لبنان من محنته. ولن يكون من المبالغ فيه القول أنّ برّي تولى ترتيب الاتصالات مع الافرقاء في الداخل لاعادة وصل ما انقطع من العلاقة مع الحريري، ونجح بنسبة كبيرة جداً، حتى مع التيار الوطني الحر الذي بدا وان القطيعة بينه وبين الحريري كانت ابديّة، فإنّها شهدت تحسناً كبيراً ولو انه من غير المحتمل ان تعود الى ما كانت عليه قبل 17 تشرين الأوّل. كما ان العوامل الداخلية والخارجية تضافرت ايضاً للمساعدة على عودة الحريري، من خلال عدم انجاز رئيس الحكومة المستقيل حسان دياب ما توقع القيام به، فيما اقصي مصطفى اديب قبل ان يعمل على تشكيل الحكومة، وفي هذين الحدثين مثال على مدى اصرار الثنائي الشيعي على عودة الحريري، الذي كان العمل جار معه بشكل حثيث للخروج باطلالة جديدة تبقي قدر الامكان على التوازن الدقيق بين الحفاظ على عصب الشارع السنّي ومؤيّديه من جهة، وعلى ما تحقق من تقدم على مروحة الإتصالات والمشاروات الداخليّة مع الافرقاء الآخرين من جهة ثانية، وقد ظهر ذلك بوضوح في المقابلة الاخيرة للحريري، وما تضمّنتها من مواقف.
نأتي الى الخط الدولي، فبعد أن أحسّ الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بالاحراج من إمكان تقويض مبادرته التي القى بثقله خلفها كي تتحقق، رأى أن الحل يكمن في النجاح بتأمين غطاء دولي شامل للمبادرة ودفع الدول الى الضغط على اللاعبين اللبنانيين في سبيل الخروج من هذا المستنقع والابقاء على ماء الوجه واكبر نسبة من النفوذ الفرنسي في لبنان. وعليه، لن يجد ماكرون أي حرج في السير بالحريري اذا ما نجحت الاتصالات الجارية في هذا المجال، كما انه لن يجد صعوبة عندها مع الدول الاجنبية، في اقناع السعوديّة بتليين موقفها، علماً أن نفوذها انحسر كثيراً في لبنان بفعل التشرذم الخليجي الحاصل والدور التركي المتصاعد في المنطقة ولبنان.
وعليه، فإن النظرة الحالية الى الامور اذا ما بقيت على ما هي عليه، تحمل بعض التفاؤل لجهة بداية الخروج من النفق المظلم وظهور بعض الضوء، انما وكي لا نذهب بعيداً في مخيّلتنا، فإننا سنعود الى الايام التي سبقت 17 تشرين الأوّل الفائت، ولن نعود الى ما نطمح اليه لجهة رؤية لبنان الجديد كبلد بعيد عن الفساد والهدر والطائفية وغيرها من الامور التي عانينا منها لعقود من الزمن واوصلتنا الى الهاوية وليس فقط الى حافتها.علّنا ننقذ لبنان قبل زواله عن الخارطة الجغرافية قبل فوات الاوان.