‎كتبت سوسن بركة
‎في غضون أعوام قلائل، انتقلت السياسة الخارجية التركية من سياسة تصفير المشكلات إلى سياسة إشعال الحرائق والأزمات في مناطق شتى من حولها، وهذا الأمر لم يأت اعتباطاً ولم يحدث جراء أخطاء غير مقصودة في هندسة السياسة الخارجية، ولكن يتم بشكل متعمد مقصود كأحد نتائج الارتباط الفكري والأيديولوجي بين حزب العدالة والتنمية الحاكم من ناحية وبين التنظيم الدولي لجماعة “الإخوان المسلمين” الارهابية من ناحية ثانية، وقد نجح أردوغان بامتياز في تحويل بلاده من نموذج للنجاح والتطور الإقتصادي والتنموي إلى نموذج للهيمنة والتسلط الاقليمي، باعتماد سياسة تدخلية في معظم ملفات وأزمات المنطقة العربية ومياه البحر المتوسط، فقد تدخلت تركيا في العراق وسوريا وليبيا، واليوم تحاول التدخل في الشؤون اللبنانية، وافتعلت أزمة حول البحث عن اكتشافات غازية في مياه المتوسط بدعوى أنها تقع في نطاق مياهها الاقليمية وجرفها القاري.

‎ها هو اليوم “السلطان” يفتح الباب على مصراعيه أمام تدخل تركيا بإعلان استعداد أنقرة لتقديم الدعم العسكري لأذربيجان في نزاعها ضد أرمينيا حول منطقة “قره باغ”، والمثير للسخرية في الموقف التركي أن وزير الخارجية شاووس اوغلو متهماً ارمينيا بشن الهجمات على أذربيجان وقال في احدى حواراته بأن ارمينيا لا تعترف بالنظام العالمي والقوانين الدولية. النظام التركي لا يزال يتذكر أن هناك ما يعرف بالقانون الدولي وهذا جيّد، حيث اعتقد الكثيرون، أن ذاكرة “السلطان” وحاشيته قد فُقدت ولم يعد يميز بين اهوائه والتزامات أي دولة ـ ومنها تركيا ـ بحسب ما تمليه المواثيق والأعراف والقوانين الدولية، ولكن السيئ في الأمر أن السيد اوغلو يتحدث عما يعتقده دليلاً على عدم اعتراف أرمينيا بالقانون الدولي حين هاجمت دولة أخرى ذات سيادة ويتناسى تماماً أن بلاده قد فعلت ـ ولا تزال ـ ذلك مراراّ وتكراراّ سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا وأخيراً في انتهاك سيادة دول متوسطية على مياهها الاقليمية. حسناً أن يعترف أوغلو بحق الدول في الدفاع عن سيادتها حين يؤكد أن أذربيجان بدورها “تخوض النضال في أراضيها”، وقال ايضاً بأنه “لا يمكن أن يحظى المحتل والطرف الخاضع للاحتلال بنفس المعاملة” وهو محق في ذلك ولكن من المعيب الكيل بمكيالين في هذا الشأن، فالذي يتحدث هنا هو من يحتل جيش بلاده أراض في شمال سوريا ويجتاح حدود العراق وينتهك أراضيه، ويرسل ميلشياته ومرتزقته إلى الأراضي الليبية بغطاء غير شرعي مع حكومة لم تعد لها أي شرعية في الداخل الليبي!

‎ولكن هذه التدخلات في الاقليم يقع على كاهل القوى الكبرى والمجتمع الدولية، فالدول الكبرى ترى سلوكيات تركيا الخطيرة وتدرك جيداً تأثيراتها السلبية البالغة على الأمن والاستقرار الدوليين، وقد حدث ذلك أثناء الصمت الدولي على تدخل تركيا وانتهاكها لسيادة العراق وسوريا، وكذلك ليبيا، والآن جاء دور “قره باغ” حيث اكتفى قادة بعض الدول الكبرى بوصف الموقف التركي بالمتهور والخطير من دون أي ردة فعل لردع “السلطان” الذي يتحدى إرادة دول كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا المعنية بتسوية الوضع في إقليم “قره باغ”.
‎عوامل كثيرة تغذي التحديات التركية وغرورها في تدخلاتها العسكرية والسياسية، رغم أن أنقرة لاعب محوري ذي صلة في قضية “قرع باغ”، فإن دور تركيا اليوم يتصاعد على وقع الفراغ الاستراتيجي الناجم عن انحسار الدور الأميركي في هذه القضية، فالسلطان يتحرك في أزمات وقضايا عدة ساعياً لملء ما يعتقد أنه فراغ استراتيجي ناجم عن غياب الدور الأميركي أو محدوديته، ليحاول تغيير المعادلات والتوازنات لمصلحة الدور التركي، كجزء من محاولاته المرتبطة بمخطط “العثمانية” الجديدة، وأيضاً في إطار التنافس الاقليمي بين إيران وتركيا، فضلاً عن سعي أردوغان لامتلاك ورقة ضغط اضافية تعزز موقفه في إطار أي صفقة محتملة مع روسيا حول مجمل الأزمات التي يتدخل فيها الدور الروسي مع نظيره التركي مثل سوريا وليبيا “وقره باغ” وغيرها. هناك أيضاً مرحلة التحول التي يعيشها النظام العالمي في مرحلة ما بعد “كورونا” حيث يعاني مقعد قيادة العالم من حالة فراغ بانتظار حسم الصراع الدائر حالياً حول قواعد ومعايير السيادة والهيمنة في المرحلة المقبلة. الواقع يقول أن ترك الحبل للسلطان التركي ليواصل تدخلاته التي تقوّض الأمن والاستقرار في مناطق شتى من العالم، سيدفع الجميع ثمنه غالياً في مراحل زمنية لاحقة، وإذا لا يمكن التخلص من هذه التدخلات التركية سيكون الدمار والفوضى تعمّ منطقة الشرق الأوسط بأكملها

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com