كتبت سوسن بركة
قبلَ حوالى أسبوع من انطلاق المفاوضات غير المباشرة بينَ لبنان والعدو الإسرائيلي برعاية الأمم المتحدة ووساطة من الولايات المتحدة، فإن رئيس الجمهورية حسم أسماء الوفد العسكري – التقني الذي سيُمثل لبنان على طاولة التفاوض في الناقورة، بعدما أرسلت قيادة الجيش لائحة من الخيارات.
ومن المفترض أن «يجتمع الرئيس عون خلال أيام مع الوفد لإعطاء التوجيهات في هذا الصدد». وقد حسمت الأمم المتحدة طاولة التفاوض، لتستمر وفق الطريقة المعتمدة منذ عام 2007 في اللقاءات الثلاثية الدورية بين الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل وجيش الاحتلال في الناقورة، لجهة حضور الوفود المشاركة في قاعة واحدة، على ألّا يوجّه أيّ من الوفدين، اللبناني والإسرائيلي، الكلام للوفد الآخر.
وكان الرئيس نبيه بري قد أعلن خلال أيام عن التوصل إلى اتفاق إطار لإطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل لترسيم الحدود البحرية والبرّية بينهما. ويتضمّن نص الإتفاق الذي وضعته الإدارة الأميركية، ويتولى تنفيذه مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى “ديفيد شينكر” ، وجود مسارين لترسيم الحدود أحدهما لترسيم الحدود البرّية استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 1701 لعام 2006، وثانيهما لترسيم الحدود البحرية. وستؤدي الولايات المتحدة، وفق هذا الإتفاق دور الوسيط، بناء على طلب الطرفين ، وستعقد الجولة الأولى من المفاوضات بين ممثلي لبنان وإسرائيل في مقر الأمم المتحدة في الناقورة في 14 تشرين الأول/ أكتوبر على الأرجح.
ثمّة عدة أمور في الإتفاق، تلفت الإنتباه و هي:
أولاً : لا يوجد ربط ملزم بين المسارين، البرّي والبحري.
ثانياً: لا يوجد إطار زمني للمفاوضات.
ثالثاً: لا يشير الإتفاق إلى أي مرجعية لمفاوضات ترسيم الحدود البحرية، مثل قانون البحار لعام 1982، ما يجعلها خاضعةً كلياً لموازين القوى والضغوط التي يمكن ممارستها على لبنان.
رابعاً: لا يطرح الإتفاق أي بدائل في حال فشلت المفاوضات بين الطرفين، كالإتفاق على التوجه إلى التحكيم الدولي.
وفي مقلب آخر حجة إسرائيل القانونية في ترسيمها للحدود المختلف عليها مع لبنان ضعيفة قانونياً؛ فالعدو الإسرائيلي يعتمدُ في ترسيم حدود منطقته الإقتصادية الخالصة مع لبنان على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المبرمة بين قبرص ولبنان عام 2007، والتي لم يصدّق عليها لبنان حتى الآن، ولم يسلمها للأمم المتحدة، وهي تعد من ثمّ غير معترف بها دولياً. وهذه المذكرة كانت قد قدمت توصيات أخرى، دعت فيها إلى الفصل بين النزاعين، البرّي والبحري، وإلى الفصل بين مسألة تحديد نقطة البداية في رأس الناقورة عن مختلف نقاط الإختلاف الأخرى بشأن الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل. وأوصت بأن من الأفضل لإسرائيل التوصل إلى اتفاق مع لبنان بشأن نقطة البداية هذه، وعدم تحويل فضّ النزاع بشأنها لمحكمة أو مؤسسة دولية؛ لأن الموقف اللبناني الذي يستند إلى خرائط ووثائق يعد أقوى من الموقف الإسرائيلي قانونياً.
والسؤال هنا يفرض نفسه: لماذا وافق لبنان على التفاوض؟
استغلت إسرائيل والولايات المتحدة أوضاع لبنان السياسية والاقتصادية الصعبة، لدفعه إلى الموافقة على الدخول في مسار تفاوضي بشأن ترسيم حدوده البحرية ومنطقته الإقتصادية الخالصة من دون أي مرجعية أو إطار زمني أو ضماناتٍ للوصول إلى حقوقه التي يكفلها القانون الدولي (قانون البحار في هذه الحالة)، وبعد أن ظل يرفض ذلك لأكثر من 10 سنوات ، فلبنان الذي تعرّض خلال الأشهر الأخيرة لسلسة أزمات كبرى، بدأت بسقوط حكومة “سعد الحريري” بعد احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 2019 وصولاً إلى سقوط حكومة “حسان دياب” بعد الانفجار الذي هز مرفأ بيروت في آب/ أغسطس الماضي، يعاني ديوناً خارجية تصل إلى نحو 100 مليار دولار، دفعته إلى إعلان عجزه عن تسديد فوائدها. كما تواجه قطاعاته المصرفية والخدماتية خطر الإنهيار الكامل، في ظل العجز عن تشكيل حكومة جديدة. من الواضح أن لبنان يدفع بهذا القرار فاتورة الصراع المحتدم بين زعماء طوائفه وطبقته السياسية الفاشلة، وانهيارها المعنوي والأخلاقي، والأزمة التي يواجهها ( ا ل ح ز ب ) الذي يحمّله خصومه اللبنانيون المسؤولية عن عزلة لبنان العربية والدولية.
الكل بإنتظار ما ستؤول إليه هذه المفاوضات التي تعتبرُ موضوعاً حساساً بالنسبة للبنان والعدو الإسرائيلي .